الأربعاء 29 أبريل 2026
booked.net

وفاة المفكر مختار نوح.. رحيل "صندوق الأسرار" وأبرز المنشقين عن جماعة الإخوان

مختار نوح
مختار نوح

خيّم الحزن على الوسط السياسي والفكري في مصر صباح اليوم الأربعاء 29 أبريل 2026، عقب إعلان وفاة المفكر والباحث القانوني الكبير مختار نوح، الذي يعد واحدًا من أبرز الرموز التي تركت بصمة واضحة في تاريخ التحولات الفكرية والسياسية المصرية المعاصرة.

حيث من المقرر أن تُقام صلاة الجنازة على جثمان الفقيد عقب صلاة العصر من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين، وسط توقعات بحضور حاشد من الشخصيات العامة والسياسيين وتلامذة الراحل الذين عاصروا رحلته الطويلة في المحاماة والبحث، وسيتم مواراة جسد الراحل الثرى في مقابر العائلة بمدينة السادس من أكتوبر، ليغلق بذلك فصل طويل من حياة رجل لم يهب المواجهة يومًا، واختار أن يسلك طريق المراجعة النقدية الجريئة حتى في أصعب الظروف السياسية التي مرت بها البلاد.

اللحظات الأخيرة.. تفاصيل الأزمة الصحية وشهادة ثروت الخرباوي الصادمة

كشف الدكتور ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ ورفيق درب الراحل، عن كواليس اللحظات الأخيرة والمؤثرة في حياة مختار نوح، مشيرًا إلى أن الفقيد كان يصارع مرض القلب لأكثر من عقدين من الزمان بصمت وصبر كبيرين، إلا أن حالته الصحية شهدت تدهورًا دراماتيكيًا ومفاجئًا خلال الساعات الماضية، مما استلزم نقله على وجه السرعة إلى المستشفى، وأوضح الخرباوي أن الأطباء أكدوا ضرورة تدخل جراحي عاجل لإجراء قسطرة وتركيب جهاز لتنظيم ضربات القلب، ورغم تردد الراحل في البداية، إلا أن أسرته وافقت على الإجراء أملًا في استقرار حالته، وفي مشهد مهيب، نطق الراحل بالشهادتين فور إفاقته المؤقتة من التخدير قبل أن تتوقف عضلة القلب مجددًا، ليفارق الحياة تاركًا وراءه إرثًا فكريًا ضخمًا وتاريخًا من المواقف القانونية والسياسية التي لا تُنسى.

مختار نوح.. من القيادة في التنظيم إلى رائد المراجعات الفكرية

يُصنف مختار نوح كواحد من أخطر وأهم الأسماء التي أعلنت انشقاقها عن جماعة الإخوان، حيث لم يكن مجرد عضوًا عاديًا، بل كان من قيادات الصفوف الأولى والكوادر القانونية الفاعلة داخل التنظيم لسنوات طويلة، وهذا التاريخ هو ما أعطى كتاباته وتصريحاته الإعلامية لاحقًا مصداقية وقوة نفاذ استثنائية، فقد تحول بعد خروجه من الجماعة إلى "مشرط جراح" يفكك البنية التحتية للفكر التنظيمي، كاشفًا عن آليات العمل الداخلية وطرق اتخاذ القرار التي لا يعرفها الكثيرون، ولم يكتفِ نوح بالانشقاق الصامت، بل خاض معارك فكرية وقانونية شرسة لتوعية الأجيال الناشئة بمخاطر الانغلاق التنظيمي، مما جعله هدفًا دائمًا لهجمات إعلامية من رفقاء الأمس، لكنه ظل ثابتًا على مواقفه حتى النفس الأخير.

الإرث القانوني والسياسي للراحل ومكانه في الذاكرة الوطنية

إلى جانب نشاطه السياسي، كان مختار نوح محاميًا بارعًا وفقيهًا قانونيًا مشهودًا له بالكفاءة في المحاكم المصرية، حيث استخدم خبرته القانونية في الدفاع عن قضايا الحريات العامة، وفي الوقت نفسه في فضح الثغرات التي تتسلل منها الأفكار الهدامة إلى بنية الدولة، وقد اتسم أسلوبه بالهدوء الرصين والقدرة على التحليل المنطقي البعيد عن الصراخ، مما جعل منه ضيفًا دائمًا على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد لشرح معقدات المشهد السياسي المصري، ويرى مراقبون أن رحيل نوح في هذا التوقيت يمثل خسارة كبيرة لجبهة التنوير والمراجعة الفكرية في مصر، إذ كان يمثل مرجعية حية لكل من يريد فهم كواليس الجماعات السياسية من الداخل وبنظرة ناقدة وموضوعية في آن واحد.

وداع يليق بمفكر كرس حياته لكشف الحقائق ومواجهة التحديات

إن رحيل مختار نوح اليوم ليس مجرد غياب لشخصية عامة، بل هو غياب لصوت كان يصر دائمًا على تغليب العقل والمصلحة الوطنية على المصالح التنظيمية الضيقة، وتأتي صلاة الجنازة اليوم في مسجد مصطفى محمود لتكون بمثابة تكريم شعبي ورسمي لرجل واجه الموت بقلب مؤمن ولسان ينطق بالشهادة، بعد أن أدى رسالته في توثيق حقبة هامة من تاريخ مصر المعاصر، وسوف تظل كتبه ومقالاته مرجعًا أساسيًا للباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية وفلسفة الانشقاق، حيث أثبت بتجربته الشخصية أن المراجعة والاعتراف بالخطأ هما أعلى درجات الشجاعة الفكرية، رحم الله الفقيد وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل.