الجنوب العربي من المهرة إلى باب المندب: استنفار ثوري لاستعادة الدولة كاملة السيادة
مع اقتراب حلول الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تسود محافظات الجنوب العربي من المهرة شرقًا حتى باب المندب غربًا حالة من الاستنفار الشعبي والزخم الثوري غير المسبوق، تعيد إلى الأذهان تلك اللحظات المفصلية التي غيرت مجرى التاريخ في المنطقة.
هذا الترقب الذي يسبق يوم الرابع من مايو لا يمثل مجرد استعداد لاحتفالية سنوية بروتوكولية، بل هو استنهاض شامل لروح المقاومة السياسية وتأهب جماهيري واسع لرسم لوحة بشرية مهيبة في قلب العاصمة عدن، تهدف إلى إرسال رسالة مدوية للعالم أجمع بأن الإرادة التي انطلقت في عام 2017 لا تزال حية ونابضة، بل باتت اليوم أكثر تنظيمًا وقدرة على فرض الواقع الوطني المنشود فوق طاولة المجتمع الدولي.
إن الجماهير التي بدأت بالفعل في ترتيب صفوفها للزحف صوب الساحات، تدرك يقينًا أن هذه الذكرى تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية، مما يجعل من الحضور الجماهيري ضرورة وطنية ملحة لتعزيز موقف القيادة الجنوبية، ممثلة باللواء عيدروس بن قاسم الزُبيدي، في انتزاع الحقوق المشروعة لشعب الجنوب وحماية مكتسباته التي تحققت بالدم والتضحيات.
التفويض الشعبي كفعل مستمر: لماذا يلتف الجنوبيون حول المجلس الانتقالي؟
فالشعب الجنوبي الذي خبر مسارات النضال الطويل وتجرع مرارة التهميش، يستعد اليوم ليؤكد أن "التفويض" الذي منحه للرئيس الزُبيدي في عام 2017 ليس حدثًا عابرًا من الماضي، بل هو فعل سياسي مستمر يتجدد مع كل تحدٍ يواجه القضية. إن الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل اليوم الركيزة الأساسية التي يستند إليها المشروع الوطني في مواجهة محاولات الالتفاف على قضيته العادلة، وهو ما يجعل من المليونية المرتقبة "استفتاءً استباقيًا" على مستقبل الدولة القادمة. هذا الاحتشاد لا يستهدف الداخل فقط، بل هو موجه للخارج ليؤكد للمجتمع الدولي والوسطاء الإقليميين أن أي حلول سياسية تتجاهل تطلعات هذا الشعب أو تحاول القفز على إرادته هي حلول محكوم عليها بالفشل الذريع، فالقرار اليوم هو قرار الميدان الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
سلاح الوعي في مواجهة حروب التجويع: إرادة لا تكسرها الأزمات المفتعلة
وعلى وقع الاستعدادات الجارية، يبرز الوعي الجنوبي كصمام أمان يتجاوز كل الرهانات الخاسرة التي حاولت قوى معادية استثمار الأزمات المعيشية وتدهور الخدمات لكسر إرادة الشعب الجنوبي وثنيه عن هدفه التحرري. ترفع الجماهير اليوم شعار "السيادة أولًا"، مؤكدة بقوة أن المعاناة الاقتصادية المفتعلة وسياسة حرب الخدمات لن تكون إلا وقودًا إضافيًا لزيادة الإصرار على استعادة الدولة كاملة السيادة. لقد أثبت المواطن الجنوبي في عدن وحضرموت ولحج وأبين وشبوة والضالع والمهرة وسقطرى، أن صوته في الميدان هو الضمانة الحقيقية لتحصين القرار الوطني، وهو الجدار المنيع الذي تتحطم عليه كافة مشاريع الهيمنة أو التبعية التي عفى عليها الزمن، مبرهنًا أن الكرامة الوطنية تعلو فوق كل الاعتبارات المادية العابرة.
المأسسة العسكرية والسياسية: من الثورة إلى قيادة الدولة المستقلة
إن أهمية الذكرى التاسعة تكمن في تحول المجلس الانتقالي من مجرد حركة ثورية في الساحات إلى كيان مؤسسي يمتلك أذرعًا سياسية وعسكرية ودبلوماسية احترافية. فخلال هذه السنوات، نجحت القيادة الجنوبية في بناء قوات مسلحة وطنية مدربة، باتت اليوم شريكًا فاعلًا في مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية في خليج عدن وباب المندب، مما منح القضية الجنوبية بعدًا استراتيجيًا عالميًا. هذا الانتقال من "الثورة" إلى "الدولة" هو ما يعزز ثقة الجماهير في قيادتها، حيث يرى الجنوبيون في المجلس الانتقالي الضامن الوحيد لبناء دولة مؤسسات عادلة يسودها النظام والقانون، وتحفظ حقوق كافة أبناء الجنوب بمختلف توجهاتهم تحت سقف "الميثاق الوطني الجنوبي" الذي صهر التباينات في بوتقة واحدة.
المليونية المرتقبة: تدشين مرحلة جديدة من النضال المنظم
الجنوب وهو على أعتاب هذا المنعطف التاريخي المتجدد، يتهيأ الجنوب العربي ليثبت للعالم أجمع أن "صوت الشعب" هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية أو دولية مرسومة للمنطقة. المليونية المرتقبة في الرابع من مايو ستمثل تدشينًا لمرحلة جديدة من النضال المنظم، تتحد فيها حناجر الملايين لتعلن بصوت واحد أن قطار الاستقلال قد تجاوز محطات التردد، وأنه يمضي بقوة الدفع الشعبي الهائلة نحو استعادة الهوية وبناء الدولة الجنوبية المستقلة. إنها رسالة وفاء لدماء الشهداء وتجسيد لإرادة جيل لن يقبل بأقل من الحرية الكاملة والسيادة المطلقة على ترابه الوطني، لتظل ذكرى 4 مايو هي اليوم الذي قال فيه الجنوب كلمته التي لا رجعة عنها: "نحن أسياد أرضنا، وبناة مستقبلنا".
