مليونية "تجديد العهد": كيف يرسم الجنوبيون خارطة استعادة الدولة في ذكرى إعلان عدن التاسعة؟
لم يعد الرابع من مايو بالنسبة لشعب الجنوب مجرد تاريخ عابر في مفكرة النضال، بل تحول إلى "أيقونة" سياسية تعيد صياغة موازين القوى في المنطقة برمتها.
فمع حلول الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، تتجه أنظار العالم صوب العاصمة عدن، ليس لمتابعة طقوس احتفالية تقليدية، بل لمراقبة عملية سياسية استراتيجية تهدف إلى تحويل الزخم الشعبي الجارف إلى قوة دفع ضاغطة على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية.
إن ما يحدث اليوم في ساحات الجنوب هو إعادة إنتاج للشرعية الشعبية في قوالب حديثة تتواكب مع تعقيدات المشهد الدولي عام 2026، حيث تسعى القيادة الجنوبية لتحويل "العاطفة الوطنية" إلى أداة قياس سياسية دقيقة، تثبت للمجتمع الدولي أن قضية استعادة الدولة ليست ملفًا قابلًا للمساومة، بل هي إرادة جمعية عابرة للمناطق والطبقات، ومفوضة لقيادة موحدة قادرة على إدارة الدفة نحو الاستقلال التام والسيادة الكاملة.
الاحتياط الاستراتيجي: قوة الجماهير كخيار بديل للدبلوماسية
تدرك القيادة السياسية الجنوبية، ممثلة بالمجلس الانتقالي، أن القوة الحقيقية في الغرف المغلقة لا تستند فقط إلى الحنكة الدبلوماسية أو السيطرة العسكرية الميدانية، بل تستمد مشروعيتها الجوهرية مما يمكن تسميته بـ "الاحتياط الاستراتيجي" للجماهير.
فعندما تكتظ ساحات العاصمة عدن والمحافظات الأخرى بمئات الآلاف من المواطنين، فإنها تبعث برسالة مشفرة وشديدة الوضوح لجميع الأطراف الفاعلة في الملف اليمني، مفادها أن أي حلول سياسية لا تلبي تطلعات شعب الجنوب هي حلول "منقوصة" ولن يكتب لها النجاح على أرض الواقع.
هذا الزخم الشعبي يعمل كمصدّات سياسية منيعة تمنع أي محاولات للالتفاف على المكتسبات الوطنية التي تحققت منذ عام 2017، ويمنح المجلس الانتقالي مرونة أكبر في المناورة السياسية، كونه يتحرك بظهير شعبي صلب يرفض التراجع عن سقف استعادة الدولة بحدودها المتعارف عليها دوليًا قبل عام 1990.
تجديد التفويض للواء الزُبيدي: شرعية شعبية بمواصفات دولية
تأتي الاستعدادات الجارية لمليونية 4 مايو لتعزز مبدأ "التفويض المتجدد" للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، وهو إجراء يتجاوز البعد الرمزي ليصبح استفتاءً شعبيًا مستمرًا على نهج المجلس الانتقالي.
إن عبقرية هذا التوقيت تكمن في قدرة الحشد الشعبي على منح القيادة "صلاحيات مفتوحة" لاستكمال بناء مؤسسات الدولة الجنوبية وتثبيت الهوية الوطنية التي حاول البعض طمسها لعقود.
وبدلًا من الوقوف على الأطلال، تتحول هذه الفعالية إلى محطة تقييم وانطلاق نحو المستقبل، حيث يتم التأكيد من خلالها على أن المجلس الانتقالي ليس مجرد كيان حزبي أو فصيل سياسي، بل هو "كيان وطني جامع" يستمد قوته من الشارع، وهو ما يجبر القوى الدولية على الاعتراف به كطرف وحيد وأصيل يمثل مصالح شعب الجنوب في أي مفاوضات سلام قادمة برعاية الأمم المتحدة.
منع الالتفاف على المكتسبات: الحشود كحائط صد ضد التهميش
في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإقليمي، يحاول البعض دفع القضية الجنوبية إلى هوامش الملفات الثانوية، وهنا تبرز أهمية ذكرى إعلان عدن كفعل سياسي بامتياز يرفض التهميش.
إن الحشود المتوقعة في مايو الجاري تهدف إلى إثبات أن الإرادة التي فوضت القيادة قبل تسعة أعوام لا تزال هي المحرك الرئيسي للشارع، وهي القوة الدافعة التي ستحطم كافة الرهانات على "تآكل" الزخم الثوري الجنوبي بمرور الوقت.
إن الربط الوثيق بين ذكرى الإعلان وهدف استعادة الدولة يجعل من هذه الفعالية رسالة صمود، وتأكيدًا على أن المسار السياسي الجنوبي يسير بخطى ثابتة لا تعرف التراجع، وأن الإرادة الشعبية هي الضمانة الوحيدة لمنع ضياع التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء الجنوب في سبيل حريتهم وكرامتهم.
آفاق المستقبل: هل يفرض الجنوب أمره الواقع على المجتمع الدولي؟
يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه المراقبون: هل ستكون مليونية 4 مايو القادمة هي المسمار الأخير في نعش مشاريع "الأقلمة" أو الحلول الالتفافية؟ المؤشرات على الأرض تؤكد أن الجنوبيين حسموا خياراتهم، وأنهم يتجهون لفرض "الأمر الواقع" من خلال تلاحم القيادة والقاعدة الشعبية.
إن النجاح في استكمال مؤسسات الدولة وتحقيق السيادة الوطنية يتطلب هذا النوع من الضغط الجماهيري الذي يضع المجتمع الدولي أمام خيار واحد لا بديل له، وهو الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره.
لذا، فإن مليونية ذكرى إعلان عدن ليست مجرد احتفال، بل هي خطوة استراتيجية متقدمة في معركة الوجود الجنوبي، تبرهن أن الحق الذي وراءه مطالب بحجم "شعب الجنوب" لا يمكن أن يضيع، وأن الدولة المنشودة باتت أقرب من أي وقت مضى بفضل تلاحم الإرادة والتفويض والقيادة.
