هدنة الجنوب الهشة.. لبنان عالق بين إيران وإسرائيل
مع كل تطور جديد في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، يجد لبنان نفسه مرة أخرى معلقًا بين قرارات القوى الخارجية وصراعات النفوذ الإقليمية، ما يعكس هشاشة التوازنات السياسية والأمنية داخل البلاد.
الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله لم تعد مجرد مواجهة حدودية، بل تحولت إلى جزء من معادلة أوسع ترتبط بمصير الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران، ومستقبل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ودور إسرائيل في إعادة رسم قواعد الاشتباك بالمنطقة.
هدنة هشة
أشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الأحد 24 مايو 2026، إلى أنه منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل الماضي، لم تنجح التفاهمات المعلنة في إنهاء الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله، بل ظلت الحدود الجنوبية اللبنانية مفتوحة على احتمالات التصعيد في أي لحظة. وتتهم كل جهة الأخرى بانتهاك الهدنة، بينما تستمر الغارات الإسرائيلية والردود المحدودة من الحزب في تكريس حالة استنزاف أمني وعسكري مستمرة منذ أشهر.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الهدوء الحالي ليس سوى استراحة مؤقتة مرتبطة بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني، أكثر من كونه تسوية مستقرة بين لبنان وإسرائيل. فالتقديرات السياسية تشير إلى أن أي انهيار للمحادثات قد يدفع المنطقة مجددًا نحو مواجهة واسعة.
اتفاق واشنطن وطهران
التقارير الأمريكية التي تحدثت عن اتفاق أولي بين واشنطن وطهران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز والتعامل مع مخزون اليورانيوم الإيراني، أعادت لبنان مباشرة إلى واجهة المشهد الإقليمي. فالمصادر الإيرانية ألمحت إلى أن أي تفاهم شامل قد يشمل تهدئة على جميع الجبهات المرتبطة بإيران، بما فيها الجبهة اللبنانية.
لكن الغموض لا يزال يحيط بتفاصيل الاتفاق المحتمل، خصوصًا أن الملفات الأكثر تعقيدًا، مثل البرنامج النووي الإيراني ومستقبل العقوبات، جرى تأجيلها إلى جولات تفاوض لاحقة. هذا التأجيل يثير مخاوف من أن يكون وقف التصعيد مؤقتًا، وأن تتحول الجبهات المرتبطة بطهران إلى أوراق ضغط متبادلة خلال أي خلاف جديد بين الجانبين.
إسرائيل تتمسك بالحرب
في المقابل، تبدو إسرائيل غير مستعدة لتقديم التزامات أمنية طويلة الأمد في لبنان، حتى مع الحديث عن اتفاق أمريكي إيراني. فقد أكدت تسريبات إسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي شدد خلال اتصالاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن تل أبيب لن تتنازل عن “حرية العمل العسكري” ضد أي تهديدات قادمة من الأراضي اللبنانية حسبما نشرت القناة 13 العبرية.
هذا الموقف يعكس قناعة إسرائيلية بأن حزب الله لا يزال يمتلك قدرة عسكرية كبيرة رغم الضربات المتكررة، وأن أي تهدئة قد تمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة جزء من قوته الميدانية. ولذلك، تسعى تل أبيب للحفاظ على هامش واسع يسمح لها بتنفيذ عمليات استباقية داخل لبنان حتى في ظل أي تفاهم سياسي إقليمي.
“حزب الله” لن يتراجع
رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها لبنان خلال الحرب الأخيرة، يحاول حزب الله تقديم نفسه داخليًا باعتباره جزءًا من معادلة ردع إقليمية فرضت حضورها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، التي دعا فيها الحكومة اللبنانية إلى التراجع عن قرارات حصر السلاح بيد الدولة، مؤكدًا أن نزع سلاح “المقاومة” يخدم إسرائيل ويضعف قدرة لبنان الدفاعية، في وقت شدد فيه على رفض أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
لكن هذه المواقف تتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للحزب، مع تحميله مسؤولية تعميق الأزمة الاقتصادية والإنسانية نتيجة ربط الساحة اللبنانية بصراعات إقليمية أوسع. وبينما يراهن الحزب على تثبيت نفوذه ضمن أي تسوية مقبلة، يبقى مستقبل لبنان مرتبطًا بشكل كبير بنتائج التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران.
