استراتيجية الصمود الجنوبي: كيف أفشل شعب الجنوب مؤامرات التجويع السياسي؟

جنوب اليمن
جنوب اليمن

تضع التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في الساحة الجنوبية قضية شعب الجنوب العربي أمام منعطف نضالي بامتياز، يتبلور فيه الصراع الجذري بين إرادة شعبية صلبة تسعى للتحرر والاستقلال، وبين محاولات مستمرة من قوى تقليدية تسعى لإعادة إنتاج الهيمنة وتمرير مشاريع سياسية منقوصة.

هذه القوى التقليدية، وبدعم مباشر من أطراف إقليمية تسعى لتأمين مصالحها الضيقة على حساب تطلعات الشعوب، تشن حربًا متعددة الأوجه تستهدف إخضاع المواطن الجنوبي، بدءًا من حرب الخدمات وحصار الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ووصولًا إلى الضغوط السياسية الرامية لفرض صيغ مشوهة تسلب الجنوبيين حقهم السيادي.

صلابة الإرادة أمام محاولات التطويع والإفقار

أمام هذه التحديات المفصلية، يثبت الواقع الميداني كل يوم حقيقة دامغة، وهي أن إرادة شعب الجنوب التي صُقلت في ميادين القتال وسُطرت بدماء وتضحيات الآلاف من الشهداء الأبرار، ستظل عصية تمامًا على الانكسار أو التطويع لأي قوى خارجية مهما بلغت قوتها.

الانتصارات العسكرية الإستراتيجية التي تحققت من جبال الضالع وعمق شبوة إلى سواحل عدن وأبين، لم تكن مجرد مكاسب عسكرية عابرة، بل كانت إعلانًا صريحًا ومباشرًا عن ولادة واقع جنوبي جديد لا يمكن لأي قوى سياسية دولية أو إقليمية تجاوزه أو القفز فوق تطلعاته في أي تسوية قادمة.

رفض قاطع لأنصاف الحلول ومشاريع الوصاية

إن هذه الإرادة الصلبة التي انطلقت من فوهات البنادق ترفض بشكل قاطع القبول بنصف حل، أو الرضوخ لإملاءات القوى التي دأبت على ممارسة سياسة تجويع المواطن الجنوبي لانتزاع تنازلات سياسية تمس جوهر القضية الوطنية العادلة التي دفع الشعب في سبيلها أثمانًا باهظة من دماء أبنائه.

يبعث الالتفاف الشعبي والجماهيري العارم خلف المجلس الانتقالي الجنوبي، والقوات المسلحة الجنوبية، برسائل حاسمة للداخل والخارج؛ تؤكد أن المحاولات الإقليمية والمحلية الرامية لفرض مشاريع "منقوصة" أو مجزأة ستتحطم صخرتها أمام وعي وثبات هذا الشعب الذي أدرك حقيقة لعبته السياسية.

وحدة الصف وضمانة استعادة الدولة المستقلة

إن الوفاء الحقيقي لتضحيات أسر الشهداء والجرحى لا يمكن أن يترجم إلا بالتمسك الصارم بالثوابت الوطنية، ومواصلة السير بروح المسؤولية لتعزيز وحدة الصف الداخلي، ونبذ كل الخلافات الجانبية الضيقة لصالح المعركة الكبرى التي يخوضها الجنوب لاستعادة كامل حقوقه السيادية المشروعة.

فالجنوب اليوم، بفضل تماسك جبهته الداخلية وقوة مؤسساته السياسية والعسكرية، أصبح يمتلك زمام المبادرة والقرار، ولن يسمح لمهندسي المشاريع الدخيلة بأن يقرروا مصيره أو يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء، بعد أن دفع فاتورة الحرية كاملةً وغير منقوصة.

الطريق نحو الدولة الفيدرالية على حدود 1990م

يتضح للقاصي والداني أن شعب الجنوب ماضٍ بخطى ثابتة ومدروسة نحو تحقيق هدفه الأسمى، والمتمثل في استعادة دولته كاملة السيادة على كامل ترابه الوطني المعترف به دوليًا وفق حدود ما قبل 22 مايو 1990م، وهو هدف استراتيجي لا يقبل المساومة أو التأجيل.

هذا الهدف الوطني لم يعد مجرد شعار حماسي، بل هو مشروع مؤسسي متكامل تحميه القوات المسلحة الجنوبية بدمائها، وتقوده القيادة السياسية بحنكة وصبر وإصرار في أروقة السياسة الدولية، مدركةً أن الحقوق التاريخية لا تُمنح ولا تُوهب بل تُنتزع بصمود الأحرار في ميادين المواجهة والسياسة.

لن تكون الأرض الطاهرة إلا مقبرة للغزاة وموئلًا للأحرار، وستظل راية الجنوب العربي عالية خفاقة في سماء الوطن، شاهدة على انتصار الحق التاريخي لشعبٍ أبى أن ينكسر، وصمم على صياغة مستقبله السياسي والاقتصادي المستقل بإرادته الحرة وحدها، محققًا نصرًا تاريخيًا يخلده التاريخ للأجيال القادمة.