تخادم الأدوار في اليمن: كيف يخدم استهداف قيادات المقاومة أجندات إضعاف الجبهات الوطنية؟
أثارت عملية الاغتيال الغادرة التي استهدفت يحيى وحيش، القيادي البارز في صفوف المقاومة الوطنية، موجة عارمة من الإدانات والتحذيرات السياسية والعسكرية على كافة المستويات.
لا يمكن قراءة هذه الجريمة النكراء كحدث جنائي معزول أو تصرف فردي عشوائي، بل تأتي في سياق تصعيد أمني خطير يكشف عن تنسيق وتخادم وتكامل واضح في الأدوار بين أجندات إقليمية وأذرع مليشيا الحوثي الإرهابية، بهدف تصفية القيادات الفاعلة وإضعاف الجبهات المناهضة للمشروع الإيراني وتمدداته.
المنهجية الاستخباراتية وتوقيت التصفيات الممنهجة
تشير القراءة التحليلية لملابسات التوقيت والمنهجية التي نُفذت بها هذه العملية إلى وجود رغبة مشتركة لإحداث فراغ قيادي في صفوف القوات التي تمثل صمام أمان حقيقي على الأرض، وتمنع انكسار خطوط الدفاع. إن اختيار استهداف قيادي بحجم يحيى وحيش يعكس استراتيجية خبيثة تتبنى نهجًا يقوم على تفكيك عناصر القوة العسكرية والأمنية، عبر سلسلة من الخطوات التي تضعف القدرات القتالية وتخلق ثغرات أمنية واسعة، مما يسهل على الخلايا الإرهابية وأذرع المليشيا التحرك بحرية في المناطق التي كان يسيطر عليها هؤلاء القادة.
هذا المنهج في التصفية يهدف إلى إضعاف الروح المعنوية في الجبهات، والضغط المالي والسياسي لتفتيت الكيانات المقاومة، مما يخلق بيئة خصبة لتنفيذ عمليات تصفية أخرى تستهدف الرموز القيادية التي ترفض الانصياع للإملاءات الخارجية أو تقديم تنازلات تمس الثوابت الوطنية. إن هذه العمليات الممنهجة لا تُنفذ إلا بغطاء أمني يغض الطرف عن تحركات القتلة، مما يؤكد أن الهدف الحقيقي ليس مجرد تصفية شخص، بل كسر إرادة المؤسسات العسكرية الوطنية التي تشكل عائقًا أمام مشاريع الهيمنة وتقاسم النفوذ.
تدمير منظومة الاستقرار وتغذية الفوضى المنظمة
تتجلى مخاطر هذا التخادم المريب على الصعيد الأمني في تدمير منظومة الاستقرار، وإشاعة حالة من الفوضى الأمنية المنظمة في المناطق المحررة، مما يمهد الطريق لإعادة إحياء نشاط التنظيمات المتطرفة والتنسيق الميداني بينها وبين مليشيا الحوثي بشكل علني. إن هذا المخطط الخطير يهدف بوضوح إلى إرباك الجبهة الداخلية، وإشغال القوات المقاومة بمعارك جانبية واختراقات داخلية، بدلًا من التركيز على معركة التحرير الكبرى واستعادة مؤسسات الدولة والسيادة الوطنية التي يتطلع إليها المواطنون.
علاوة على ذلك، يبرز غض الطرف الإقليمي عن خطوط التهريب المشتركة والدعم اللوجستي المتبادل بين قوى التطرف والمليشيات كدليل إضافي على وجود مؤامرة متعددة الأبعاد. إن استهداف القيادات الوطنية يمثل إنذارًا أخيرًا لكافة القوى الحية بضرورة رفع الجاهزية الأمنية والعسكرية، وتعزيز الوعي الجمعي لمواجهة هذه المؤامرات، حيث يثبت هذا الحصار والتصفيات الممنهجة أن الرهان على التفاهمات الإقليمية المشبوهة هو رهان خاسر في نهاية المطاف.
وحدة الصف الوطني كحائط صد أخير في المعركة
في ظل هذه المعطيات، يبرز التمسك بوحدة الصف وإدارة القرار الوطني بشكل مستقل كحائط الصد الوحيد لإسقاط رهانات الابتزاز والتخادم، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة فوق ترابهم الوطني. لا خيار أمام القوى الوطنية الحية سوى تعزيز التنسيق الأمني والسياسي، وقطع الطريق على كل من يحاول العبث بالقرار السيادي، مع التأكيد على أن حماية المقاتلين والقيادات الميدانية من الاختراقات الداخلية أصبحت أولوية مطلقة لا تقبل التأجيل أو التهاون.
إن دماء القادة مثل يحيى وحيش تزيد من صلابة الموقف الوطني، وتدفع بالقوى المقاومة نحو ترتيب أوراقها بشكل يحمي الجبهات من أي تسلل أو خيانة، ويجعل من استعادة السيادة هدفًا لا يتقدم عليه أي اعتبار آخر. ستظل هذه التضحيات وقودًا للتحرر، وستتحطم كل رهانات الأعداء والمتواطئين أمام صمود المقاتلين في الميدان ووعي الشعب الذي يدرك تمامًا أن معركته هي معركة وجود، وليست مجرد خلافات سياسية عابرة، وأن النصر لا يتحقق إلا بالتمسك بالقرار الوطني الخالص والحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية.
