ما بعد التهدئة.. الاتفاق الأمريكي الإيراني يضع الفصائل المسلحة في العراق ولبنان واليمن أمام مرحلة جديدة

متن نيوز

تتزايد التقديرات السياسية بشأن التداعيات المحتملة للاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، والذي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد تفاهم يهدف إلى وقف الحرب وخفض التوتر العسكري فحسب، بل بوصفه بداية لمرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية وتفرض تغييرات جوهرية على شبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية في عدد من دول الشرق الأوسط.

وبحسب قراءات سياسية متداولة، فإن الاتفاق المتوقع قد يتجاوز الملفات التقليدية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية، ليشمل ترتيبات أمنية أوسع تستهدف الحد من قدرة إيران على توظيف الفصائل المسلحة الحليفة لها في العراق ولبنان واليمن كأدوات ضغط ونفوذ إقليمي.

ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى، بعد تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء بؤر التوتر الرئيسية، إلى الانتقال نحو مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في معالجة ملف الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، والتي أصبحت خلال السنوات الماضية عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الإقليمية لطهران.

وتقوم هذه الرؤية، وفق تقديرات خبراء، على تقليص هامش الحركة العسكرية المستقلة لهذه الفصائل، والعمل تدريجيًا على دمج بعضها في المؤسسات الرسمية للدول التي تنشط فيها أو دفعها إلى التخلي عن أدوارها العسكرية لصالح أدوار سياسية ومدنية، بما يحد من احتمالات اندلاع مواجهات إقليمية مرتبطة بقرارات تتخذ خارج الأطر الرسمية للدول.

في العراق، يكتسب هذا الملف حساسية خاصة نظرًا للتشابك بين الاعتبارات الأمنية والسياسية. فالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران تمتلك نفوذًا واسعًا داخل المشهد العراقي، وتلعب أدوارًا تتجاوز البعد العسكري إلى التأثير في مراكز صنع القرار. ويرى محللون أن أي محاولة لإعادة تنظيم هذا الواقع ستحتاج إلى توافقات داخلية وإقليمية معقدة، تجنب البلاد الدخول في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

أما في لبنان، فإن النقاش حول مستقبل السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة عاد إلى الواجهة بقوة مع الحديث عن ترتيبات إقليمية جديدة. ويعتقد مراقبون أن أي تفاهم دولي يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة سيضع ملف السلاح ودور الفصائل المسلحة ضمن أولويات البحث، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وفي اليمن، ينظر البعض إلى الاتفاق المحتمل باعتباره فرصة لإطلاق مسار سياسي أكثر استقرارًا، خصوصًا إذا تضمن تفاهمات تقلل من حدة الصراع الإقليمي وتحد من التدخلات الخارجية. ويرى خبراء أن أي تقدم في هذا الاتجاه قد ينعكس على فرص التسوية السياسية وإنهاء سنوات من الحرب التي خلفت تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.

ورغم هذه التوقعات، يؤكد متخصصون في شؤون المنطقة أن الحديث عن نزع سلاح الفصائل أو إنهاء استقلالية قراراتها العسكرية يظل هدفًا بعيد المدى يواجه تحديات كبيرة. فهذه الجماعات لا تمثل مجرد تشكيلات عسكرية، بل تمتلك قواعد اجتماعية وشبكات سياسية واقتصادية تجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من مجرد فرض ترتيبات أمنية جديدة.

كما أن نجاح أي خطة من هذا النوع سيعتمد على مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات استراتيجية في إطار الاتفاق، مقابل الحصول على مكاسب تتعلق برفع العقوبات وتحسين علاقاتها مع المجتمع الدولي وضمان مصالحها الأمنية.

في المقابل، لا تزال هناك شكوك حول قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤية شاملة لإعادة هيكلة المشهد الأمني الإقليمي، خاصة في ظل وجود أطراف دولية وإقليمية تمتلك مصالح متعارضة، فضلًا عن احتمالات رفض بعض الفصائل لأي ترتيبات تمس بنيتها العسكرية أو دورها السياسي.

ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتفاق الأمريكي الإيراني على الانتقال من إطار التهدئة المؤقتة إلى مشروع أوسع لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية. فإذا نجحت الأطراف في بناء تفاهمات مستدامة، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة تتراجع فيها المواجهات المسلحة لصالح الحلول السياسية. أما إذا تعثرت هذه الجهود، فقد تعود ملفات النفوذ والسلاح والتنافس الإقليمي إلى واجهة المشهد مجددًا.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن الاتفاق المرتقب، إن تم التوصل إليه، لن يقتصر تأثيره على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سيمتد إلى عدد من الملفات الإقليمية الحساسة التي ستحدد شكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها مستقبل الفصائل المسلحة ودورها في المعادلة الأمنية والسياسية للمنطقة.