حضرموت ترفع سقف التصعيد السلمي.. رسائل سياسية تعكس تماسك الجنوب العربي

متن نيوز

حمل الاجتماع التنظيمي الموسع للهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمحافظة حضرموت، بمشاركة رؤساء الهيئات التنفيذية بمديريات الساحل، رسائل سياسية وشعبية واسعة تعكس حجم الحراك المتصاعد في الجنوب العربي، كما أظهر بوضوح حالة التلاحم الوطني والوعي الجمعي الرافض لأي محاولات للتهميش أو الالتفاف على الإرادة الشعبية لأبناء حضرموت والجنوب بشكل عام.

وجاءت مخرجات الاجتماع لتؤكد أن المرحلة الحالية تشهد تحولات سياسية مهمة، وأن الشارع الجنوبي بات أكثر تمسكًا بخياراته السياسية والوطنية، في ظل تصاعد المطالب المتعلقة بتمكين أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم الأمنية والإدارية والاقتصادية بعيدًا عن أي صيغ أو ترتيبات لا تستند إلى قاعدة جماهيرية حقيقية أو توافق وطني شامل.

التصعيد السلمي خيار استراتيجي

أبرز ما حمله الاجتماع كان الإعلان الواضح عن المضي قدمًا في تنفيذ برنامج تصعيدي سلمي، وهو ما اعتبره مراقبون ترجمة مباشرة لتطلعات قطاعات واسعة من أبناء حضرموت الذين يطالبون بدور أكبر في إدارة محافظتهم وصون حقوقهم السياسية والاقتصادية، بعيدًا عن أي محاولات لإبقائهم خارج دائرة التأثير في مستقبل منطقتهم.

ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة لدى القوى الفاعلة في الجنوب العربي بأن النضال السلمي يمثل الخيار الأكثر قدرة على الحفاظ على المكتسبات الوطنية وتعزيز الحضور الشعبي، مع التأكيد على أن التحركات المدنية المنظمة باتت أداة رئيسية للتعبير عن الإرادة الجماهيرية والدفاع عن الحقوق المشروعة.

رفض الكيانات البديلة والواجهات الشكلية

وفي سياق متصل، جاء الرفض القاطع لما وُصف بمحاولات فرض "مجالس كرتونية وهمية" ليحمل دلالات سياسية عميقة، إذ اعتبر الاجتماع أن مثل هذه الكيانات لا تمتلك قاعدة جماهيرية حقيقية، وأن الهدف منها يتمثل في تشتيت الموقف الحضرمي وإرباك المشهد السياسي في المحافظة.

وترى القوى المشاركة في الاجتماع أن محاولات إعادة إنتاج أدوات السيطرة القديمة عبر واجهات شكلية أو هياكل موازية لا يمكن أن تحقق الاستقرار أو تعبر عن تطلعات المواطنين، بل تزيد من حالة الاحتقان وتعمق الفجوة بين الشارع وأي ترتيبات لا تستند إلى شرعية شعبية واضحة.

مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع

أكدت مداولات الاجتماع أن مواجهة ما يُنظر إليه باعتباره سياسات لفرض الأمر الواقع باتت ضرورة ملحة، خصوصًا في ظل محاولات مصادرة القرار السياسي لأبناء حضرموت وإضعاف حضورهم في إدارة ملفاتهم المحلية، وهو ما قوبل بتأكيد واسع على أهمية التمسك بالشرعية التوافقية المستندة إلى تضحيات المواطنين ومطالبهم المباشرة.

كما شددت القيادات المشاركة على أن أي حلول أو ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تنجح إذا لم تنطلق من إرادة أبناء المحافظة وتستجب لاحتياجاتهم الفعلية، معتبرة أن التوافق الوطني الحقيقي يبدأ من احترام إرادة السكان المحليين وتمكينهم من المشاركة في صناعة القرار.

حضرموت والعمق الاستراتيجي للجنوب العربي

برزت حضرموت خلال الاجتماع بوصفها العمق الاستراتيجي والقلب النابض للمشروع الجنوبي، حيث أكد المشاركون أن المحافظة بما تمتلكه من ثقل جغرافي واقتصادي وبشري تمثل ركيزة أساسية في أي تحرك سياسي يتعلق بمستقبل الجنوب العربي، وأن دور أبنائها لا يمكن تجاوزه أو تقليصه في المعادلات الوطنية القادمة.

كما جرى التأكيد على أن مطالب أبناء ساحل حضرموت وواديها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرؤية العامة لشعب الجنوب في تحقيق تطلعاته السياسية والوطنية، وأن هذه المطالب ليست معزولة عن السياق الأوسع للحراك الجنوبي المستمر منذ سنوات.

تمكين الكوادر المحلية أولوية ملحة

أحد المحاور الرئيسية التي ركز عليها الاجتماع تمثل في المطالبة بتمكين الكوادر المحلية من إدارة الملفات الأمنية والإدارية والاقتصادية، باعتبار ذلك استجابة عملية للاحتياجات الملحة للمواطنين، وخطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار وتحسين أداء المؤسسات والخدمات العامة.

ويرى المشاركون أن استعادة المؤسسات وتأمين الثروات الوطنية لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح أولوية قصوى تتوقف عليها قدرة المحافظة على مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية، كما أن تمكين الكفاءات المحلية يمثل مدخلًا أساسيًا لبناء إدارة أكثر فاعلية وقربًا من احتياجات المجتمع.

الإرادة الشعبية أساس أي مشروع سياسي

أكدت التطورات الأخيرة في الجنوب العربي، وفق ما خلص إليه الاجتماع، أن الإرادة الشعبية الصريحة تظل العامل الحاسم في نجاح أو فشل أي مشروع سياسي مستدام، وأن محاولات تجاوز هذه الإرادة أو الالتفاف عليها لا يمكن أن تنتج حلولًا مستقرة أو تحظى بقبول مجتمعي واسع.

وشددت المداخلات على أن الاستجابة الواعية لمطالب حضرموت واحترام خصوصيتها السياسية والاجتماعية يمثلان شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار، وأن أي مسار لا يأخذ هذه الاعتبارات في الحسبان سيظل معرضًا للتعثر وفقدان المشروعية الشعبية.

رسائل سياسية للقوى الفاعلة

يحمل الحراك المتصاعد في حضرموت رسائل واضحة إلى مختلف القوى الفاعلة في المشهد اليمني والإقليمي، مفادها أن أبناء المحافظة والجنوب العربي متمسكون بخيار النضال السلمي كخيار استراتيجي طويل المدى، وأنهم سيواصلون تحركاتهم السياسية والشعبية حتى تحقيق كامل حقوقهم المشروعة وفق رؤيتهم الوطنية.

كما تعكس هذه الرسائل حرصًا على التأكيد بأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن فرضه من الخارج أو عبر ترتيبات شكلية، بل ينبع من احترام الإرادة الشعبية وإشراك القوى المجتمعية الفاعلة في صياغة مستقبل المنطقة بصورة تضمن العدالة والشراكة والاستقرار المستدام.

الحراك الجنوبي بين الواقع والمستقبل

تشير المؤشرات السياسية التي أفرزها الاجتماع الموسع في حضرموت إلى أن الجنوب العربي يدخل مرحلة جديدة عنوانها التمسك بالإرادة الشعبية وتعزيز العمل التنظيمي والسياسي السلمي، مع التركيز على بناء موقف موحد قادر على مواجهة التحديات السياسية ومحاولات التشتيت وإعادة إنتاج أدوات الهيمنة القديمة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن حضرموت تواصل ترسيخ حضورها كلاعب رئيسي في المشهد الجنوبي، مستندة إلى قاعدة شعبية واسعة وإلى رؤية تؤكد أن تمكين أبناء المحافظة واحترام خياراتهم السياسية يمثلان المدخل الحقيقي لأي تسوية عادلة ومستقرة، وأن النضال السلمي سيظل الأداة الأساسية لتحقيق تطلعات الجنوب العربي وبناء مستقبل يستند إلى الشراكة والقرار الوطني الحر.