لبنان يدخل مرحلة سياسية جديدة.. حصر السلاح وبسط سلطة الدولة أبرز الأولويات
يتصدر ملف سلاح حزب الله والتطورات الأمنية في جنوب لبنان المشهد السياسي، في ظل تحركات حكومية تؤكد الدخول في مرحلة جديدة عنوانها استعادة قرار الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع استمرار المشاورات المتعلقة بخارطة الطريق المطروحة لمعالجة الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بالحدود الجنوبية، وسط متابعة إقليمية ودولية واسعة لهذه التطورات.
وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه لبنان تحديات متشابكة على المستويين السياسي والأمني، إذ تسعى الحكومة إلى الدفع نحو تثبيت مؤسسات الدولة وتعزيز دورها في إدارة الملفات السيادية، مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية الهادفة إلى خفض التوترات وتهيئة الأجواء لمرحلة أكثر استقرارًا في الجنوب.
خارطة طريق تمهد للمفاوضات
أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في تصريحات لصحيفة فرنسية، أن التفاهم الجاري مع إسرائيل لا يزال يندرج ضمن إطار "خارطة طريق" تضم 14 بندًا، موضحًا أن ما يجري تداوله لا يمثل اتفاقًا نهائيًا، وإنما يمثل إطارًا تمهيديًا للمفاوضات التي يفترض أن تتناول عددًا من الملفات المعقدة خلال المرحلة المقبلة.
وأشار الوزير إلى أن خارطة الطريق تتناول قضايا رئيسية تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وترسيم الحدود، وتعزيز سلطة الدولة، إضافة إلى مستقبل سلاح حزب الله، باعتبارها ملفات مترابطة تحتاج إلى معالجة متدرجة في إطار تفاهمات شاملة تضمن تحقيق الاستقرار.
نقاط الخلاف حول الانتشار في الجنوب
لفت وزير الخارجية إلى أن إحدى أبرز نقاط الخلاف تتعلق بما يعرف بـ "المناطق التجريبية"، حيث تتمسك إسرائيل بانتشار الجيش اللبناني داخل مناطق سبق إخلاؤها لإثبات قدرته على منع عودة عناصر حزب الله إليها، بينما ترى الحكومة اللبنانية أن أي انتشار كامل للجيش يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي من إحدى تلك المناطق على الأقل.
ويرى مراقبون أن هذا الخلاف يعكس تباينًا في ترتيب الأولويات بين الطرفين، إذ يربط الجانب اللبناني انتشار الجيش بانسحاب القوات الإسرائيلية، بينما تسعى إسرائيل إلى اختبار قدرة المؤسسات العسكرية اللبنانية على فرض السيطرة قبل تنفيذ أي خطوات إضافية.
الحكومة تؤكد حصر السلاح بيد الدولة
أكد يوسف رجي أن الحكومة اللبنانية اتخذت منذ نحو عام ونصف قرارًا واضحًا يقضي باعتبار جميع العمليات العسكرية التي ينفذها حزب الله خارج إطار الشرعية، مشددًا على أن الدولة ماضية في استعادة كامل سلطتها على الأراضي اللبنانية وفق رؤية تستند إلى احتكار المؤسسات الرسمية للسلاح.
وأوضح أن الحكومة تعتبر تفكيك البنية العسكرية للحزب ونزع سلاحه جزءًا أساسيًا من مشروع استعادة الدولة، مؤكدًا أن الهدف يتمثل في تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وتكريس مفهوم الدولة صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد داخل البلاد.
الفصل بين العمل السياسي والعمل العسكري
وفي حديثه عن مستقبل حزب الله، أوضح وزير الخارجية اللبناني أن الدولة لا تعارض استمرار الحزب كقوة سياسية تمارس نشاطها وفق القوانين اللبنانية، شريطة التخلي عن السلاح وحصر النشاط في الإطار السياسي والمؤسساتي.
كما انتقد الوزير التمييز الذي تتبعه بعض الدول الأوروبية بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب، معتبرًا أن الحزب يعمل ضمن قيادة واحدة ورؤية واحدة، وأن الفصل بين الجانبين لا يعكس طبيعة التنظيم كما يراه الجانب اللبناني.
الجيش اللبناني في قلب المرحلة المقبلة
أكد وزير الخارجية أن الجيش اللبناني يمتلك اليوم الإمكانات اللازمة لتولي مسؤولياته في جنوب البلاد، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت أكثر قدرة على إدارة الوضع الأمني، بما ينسجم مع توجه الدولة نحو فرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وأضاف أن الجيش هو الجهة المخولة بإدارة المواقع العسكرية ومراكز القيادة والأنفاق والمنشآت المرتبطة بالبنية العسكرية، مؤكدًا أن احتكار الدولة للسلاح الشرعي يمثل أحد الأهداف الرئيسية للحكومة خلال المرحلة المقبلة.
الوساطة الأمريكية ومستقبل التفاهمات
أوضح الوزير أن الولايات المتحدة تمثل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل، وهو ما دفع لبنان إلى قبول الوساطة الأمريكية خلال المباحثات الجارية، باعتبارها القادرة على تسهيل التوصل إلى تفاهمات تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وأشار إلى أن واشنطن نقلت إلى بيروت تأكيدات إسرائيلية بعدم وجود أطماع إقليمية في الأراضي اللبنانية، كما تعهدت الإدارة الأمريكية بالعمل على ضمان التزام جميع الأطراف بأي اتفاق نهائي قد يتم التوصل إليه في إطار المفاوضات.
الرئيس اللبناني يحذر من استمرار الانتهاكات
من جانبه، أعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون عن قلقه من تأثير الممارسات الإسرائيلية على مستقبل "صيغة الإطار"، مؤكدًا أن استمرار خرق بنودها يقوض فرص نجاحها ويضعف الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار في الجنوب.
وأشار الرئيس اللبناني، خلال استقباله المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، إلى أن استمرار تدمير المنازل وتجريف القرى في المناطق الجنوبية يمثل انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات فاعلة لوقف هذه الممارسات.
الجيش اللبناني يتهم إسرائيل بعرقلة انتشاره
في المقابل، أعلن الجيش اللبناني استمرار تعرض قواته لإطلاق نار بالقرب من نقاط تمركزه في عدد من المناطق الجنوبية، معتبرًا أن هذه التطورات تعرقل استكمال انتشاره وفق التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الفترة الماضية.
وأوضح الجيش أن عملياته في مناطق مثل زوطر الغربية تأتي ضمن خطة الانتشار المعتمدة، مؤكدًا مواصلة تنفيذ مهامه رغم التحديات الميدانية، في إطار التزامه بتعزيز الأمن والاستقرار في الجنوب وتنفيذ المسؤوليات الموكلة إليه.
مستقبل الجنوب اللبناني بين التفاهمات والتحديات
تعكس التطورات الأخيرة أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والدبلوماسية، إذ تسعى الحكومة إلى تثبيت سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، بالتوازي مع مواصلة الجهود الرامية إلى معالجة الملفات الحدودية عبر الوساطات الدولية.
وفي ظل استمرار المفاوضات والتحديات الميدانية، يبقى نجاح خارطة الطريق مرهونًا بقدرة جميع الأطراف على تنفيذ الالتزامات المتبادلة، واحترام التفاهمات المطروحة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعزز الاستقرار في الجنوب، وتدعم مؤسسات الدولة اللبنانية في أداء دورها الكامل على امتداد الأراضي اللبنانية.
