من «حسب الله السادس عشر» إلى «يونس».. أشهر شخصيات عبد السلام النابلسي
يوافق اليوم ذكرى ميلاد الفنان الراحل عبد السلام النابلسي، أحد أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ السينما المصرية والعربية، والذي ترك بصمة مميزة في عدد كبير من الأفلام التي ما زالت تحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن عبد السلام النابلسي اشتهر في كثير من أعماله بتقديم أدوار الشخصيات المساندة، فإن حضوره أمام الكاميرا كان يتجاوز فكرة الدور الثاني، إذ امتلك قدرة استثنائية على جذب انتباه المشاهد بمجرد ظهوره، بفضل خفة ظله وأسلوبه الخاص في الأداء ونبرة صوته وطريقته المميزة في إلقاء الجمل الحوارية.
وتزامن نجاح عبد السلام النابلسي مع مرحلة مهمة من تاريخ السينما المصرية، حيث شارك كبار نجوم الفن في أعمال أصبحت من كلاسيكيات السينما، ومن بينهم الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، الذي شكل معه ثنائيًا فنيًا مميزًا في مجموعة من الأفلام الناجحة.
عبد السلام النابلسي.. حضور مختلف في السينما المصرية
لم يكن عبد السلام النابلسي مجرد ممثل يؤدي أدوارًا كوميدية، وإنما كان صاحب مدرسة خاصة في تقديم الشخصية الكوميدية، حيث استطاع أن يحول الشخصيات الثانوية إلى عناصر أساسية في نجاح العمل.
وتميز النابلسي بقدرته على صناعة الكوميديا من خلال الحوار والحركة وردود الأفعال، دون الحاجة إلى المبالغة في الأداء، وهو ما جعله واحدًا من أكثر الفنانين الذين ارتبط الجمهور بأدوارهم وشخصياتهم السينمائية.
وخلال مسيرته الفنية، شارك عبد السلام النابلسي في العديد من الأعمال السينمائية التي جمعته بنجوم كبار، إلا أن علاقته الفنية مع عبد الحليم حافظ ظلت من أبرز المحطات في تاريخه، خاصة أن الثنائي قدما معًا عددًا من الأفلام التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.
بداية ثنائية عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ
بدأ التعاون بين عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ من خلال فيلم «ليالي الحب» عام 1955، وهو العمل الذي شهد ظهور الثنائي معًا في تجربة لاقت نجاحًا لدى الجمهور.
وجسد عبد السلام النابلسي خلال أحداث الفيلم شخصية صديق يقف إلى جانب شخصية عبد الحليم حافظ ويساعده في الوصول إلى هدفه، ليظهر منذ هذا العمل مدى الانسجام بين النجمين، سواء على مستوى الأداء أو الحوار أو المواقف الكوميدية.
وشارك في بطولة الفيلم عدد من الفنانين، من بينهم آمال فريد وسراج منير، ليصبح «ليالي الحب» نقطة انطلاق مهمة للتعاون السينمائي بين عبد السلام النابلسي والعندليب.
ولم تتوقف التجربة عند هذا الحد، إذ عاد الثنائي للعمل معًا بعد فترة قصيرة في فيلم «فتى أحلامي» عام 1957، بمشاركة مجموعة من الفنانين، من بينهم منى بدر وسهام وحسن فايق وعبد المنعم إبراهيم ووداد حمدي.
«شارع الحب».. شخصية حسب الله السادس عشر
يعد فيلم «شارع الحب» من أشهر الأعمال التي جمعت عبد السلام النابلسي بعبد الحليم حافظ، حيث قدم النابلسي واحدة من أشهر الشخصيات التي ارتبط بها الجمهور، وهي شخصية «حسب الله السادس عشر».
وكانت شخصية حسب الله السادس عشر من العلامات المميزة في الفيلم، إذ تمكن النابلسي من تقديمها بأسلوب كوميدي خاص، جعلها حاضرة في ذاكرة المشاهدين حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرض الفيلم.
وشارك في بطولة «شارع الحب» الفنانة صباح، إلى جانب زينات صدقي ورياض القصبجي وحسن فايق، وهو ما جعل الفيلم يضم مجموعة كبيرة من نجوم السينما المصرية في ذلك الوقت.
واستطاع عبد السلام النابلسي من خلال هذا العمل أن يؤكد قدرته على صناعة شخصية كوميدية متكاملة، لا تعتمد فقط على الإفيه، وإنما على التفاصيل الصغيرة في الأداء وطريقة الحديث والحركة والتفاعل مع باقي الشخصيات.
«حكاية حب».. تعاون جديد بين النجمين
واصل عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ تعاونهما من خلال فيلم «حكاية حب»، الذي قدم فيه النابلسي شخصية صديق يحاول مساعدة بطل الفيلم ودفعه إلى تغيير مساره من التمثيل إلى الغناء.
وجاءت شخصية النابلسي في الفيلم ضمن سياق درامي يجمع بين الكوميديا والرومانسية، وهو الأسلوب الذي ميز عددًا من أفلام تلك المرحلة.
وشارك في بطولة الفيلم الفنانة مريم فخر الدين والفنان محمود المليجي، ليقدم العمل نموذجًا آخر للتعاون الناجح بين عبد الحليم حافظ وعبد السلام النابلسي.
وكانت قدرة النابلسي على خلق حالة من التوازن بين الجانب الكوميدي والأحداث الدرامية أحد أهم أسباب نجاح حضوره في تلك الأعمال.
«يوم من عمري».. آخر محطات الثنائي
اختتم عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ تعاونهما السينمائي من خلال فيلم «يوم من عمري»، الذي جمعهما بالفنانة زبيدة ثروت، وقدم خلاله النابلسي شخصية مختلفة نسبيًا.
وجسد عبد السلام النابلسي شخصية «يونس»، وهو مصور صحفي يعمل إلى جانب شخصية «صلاح» التي قدمها عبد الحليم حافظ.
وتدور أحداث الفيلم حول تكليف رئيس التحرير، الذي يجسده محمود المليجي، للصحفي صلاح والمصور يونس بتغطية وصول نادية، ابنة المليونير أبو عجيلة، من سويسرا بعد فترة طويلة من الغياب.
وتتطور الأحداث بعد ذلك في إطار يجمع بين الرومانسية والكوميديا والمواقف الإنسانية، خاصة بعد هروب نادية عقب اكتشافها رغبة زوجة أبيها في تزويجها من شقيقها، لتبدأ قصة الحب التي تجمع بينها وبين شخصية عبد الحليم حافظ.
وشكل الفيلم محطة مهمة في مشوار الثنائي، حيث ظهر عبد السلام النابلسي كعنصر أساسي في الأحداث، وقدم شخصية الصحفي والمصور بأسلوبه الكوميدي المعروف.
لماذا نجحت ثنائية النابلسي والعندليب؟
يرى كثير من محبي السينما المصرية أن سر نجاح ثنائية عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ يعود إلى الاختلاف الواضح بين طبيعة الشخصيتين.
فعبد الحليم حافظ كان غالبًا يمثل الشخصية الرومانسية أو الشاب الذي يبحث عن النجاح والحب، بينما كان عبد السلام النابلسي يقدم شخصية الصديق أو المساند الذي يضيف إلى الأحداث جرعة من الكوميديا وخفة الظل.
هذا الاختلاف خلق حالة من التناغم أمام الكاميرا، حيث كان النابلسي يخفف من حدة المشاهد الدرامية، ويمنح العمل مساحة من الكوميديا، في الوقت الذي يحتفظ فيه عبد الحليم بالمسار الرومانسي والدرامي الرئيسي.
كما أن قدرة النابلسي على الارتجال والتعامل مع الحوار جعلت مشاهده مع عبد الحليم حافظ من أكثر المشاهد التي يتذكرها الجمهور.
عبد السلام النابلسي.. نجم لا يحتاج إلى بطولة مطلقة
من أبرز ما يميز تجربة عبد السلام النابلسي أنه لم يكن بحاجة دائمًا إلى بطولة مطلقة حتى يترك أثرًا في العمل.
فقد استطاع خلال سنوات طويلة أن يثبت أن قيمة الفنان لا ترتبط بمساحة الدور، وإنما بقدرته على تقديم الشخصية بشكل يجعلها عالقة في ذاكرة الجمهور.
ولهذا السبب، تحولت العديد من الشخصيات التي قدمها إلى علامات سينمائية، وأصبح اسمه مرتبطًا بالكوميديا الراقية التي تعتمد على الموقف والشخصية والحوار.
ومع حلول ذكرى ميلاد عبد السلام النابلسي، يعود الجمهور إلى أعماله القديمة ليستعيد ذكريات زمن مختلف من السينما المصرية، عندما كانت الأفلام تعتمد على النجوم أصحاب الحضور الحقيقي، وكانت الشخصيات المساندة قادرة على صناعة الفارق.
وتبقى أفلام عبد السلام النابلسي مع عبد الحليم حافظ من أبرز النماذج التي تؤكد أن الكيمياء بين الفنانين يمكن أن تصنع نجاحًا يتجاوز حدود العمل نفسه.
فبعد مرور عقود على تلك الأفلام، لا تزال شخصيات مثل حسب الله السادس عشر، وشخصية يونس في «يوم من عمري»، حاضرة في ذاكرة محبي السينما المصرية.
وبذلك يظل عبد السلام النابلسي واحدًا من الأسماء التي يصعب تجاهلها عند الحديث عن تاريخ الكوميديا والسينما المصرية، خاصة أن مسيرته جمعت بين خفة الظل والقدرة على الأداء والتواجد المؤثر بجوار كبار النجوم.
كما تظل ثنائيته مع عبد الحليم حافظ واحدة من التجارب الفنية التي أثبتت أن الفنان المساند يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في صناعة نجاح الفيلم، وأن المشهد الواحد قد يصبح خالدًا بسبب حضور فنان يمتلك موهبة استثنائية مثل عبد السلام النابلسي.
وفي ذكرى ميلاده، يستعيد الجمهور أعماله وشخصياته التي نجحت في صناعة البهجة، لتبقى أفلامه جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، وتظل ابتسامته وطريقته الخاصة في تقديم الكوميديا شاهدة على موهبة فنية لم تتكرر كثيرًا.
