الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقات داخل بيئة العمل
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تغيير طبيعة الوظائف وأساليب أداء المهام، بل امتد إلى العلاقات المهنية داخل المؤسسات، مع تصاعد الشكوك بين الموظفين، وانتشار محتوى منخفض الجودة، وتزايد المخاوف بشأن مستقبل الوظائف.
وتبرز حالات بات فيها الموظفون يعتمدون على وكلاء الذكاء الاصطناعي لإدارة البريد الإلكتروني والتواصل، ما قد يؤدي إلى فقدان رسائل مهمة وتعطيل التعامل مع العملاء والزملاء. وفي إحدى الحالات، اضطرت مديرة مشاريع في شيكاغو إلى البحث عن فرصة للقاء خبير ذكاء اصطناعي وجهًا لوجه بعدما تعذر التواصل معه بسبب أنظمة آلية كانت تدير بريده.
فجوة تنظيمية وشكوك متبادلة
أظهر استطلاع ربع سنوي أجرته CNBC وSurveyMonkey أن نحو نصف الموظفين يستخدمون الذكاء الاصطناعي مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، بينما تعلم 84% منهم استخدام هذه الأدوات بشكل ذاتي، في وقت تفتقر فيه 55% من أماكن العمل إلى سياسات رسمية لتنظيم استخدامها.
هذا الغياب التنظيمي يخلق مواقف متباينة داخل المؤسسات؛ فبينما يرى بعض المديرين أن الذكاء الاصطناعي وسيلة لرفع الكفاءة، قد ينظر إليه زملاء آخرون باعتباره وسيلة لاختصار الجهد أو مؤشرًا على قلة الاهتمام بالعمل.
كما أظهرت تجربة أجرتها شركة Atlassian على ألف موظف أمريكي أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي كانوا أكثر عرضة لوصفهم بالكسل، وأقل احتمالًا للترقية أو الحصول على فرص للمشاركة في المشاريع الكبرى.
«Workslop».. محتوى يبدو جيدًا لكنه بلا قيمة
ومن الظواهر التي ظهرت مع انتشار الذكاء الاصطناعي ما يُعرف باسم Workslop، وهو محتوى يبدو متماسكًا من الناحية الشكلية، لكنه يفتقر إلى القيمة والمضمون بسبب الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية.
ووفق دراسة أجرتها BetterUp بالتعاون مع مختبر ستانفورد لوسائل التواصل الاجتماعي في سبتمبر 2025، تلقى نحو 40% من موظفي المكاتب في الولايات المتحدة محتوى رديئًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي، ما اضطرهم إلى قضاء ساعات إضافية في مراجعته وتصحيحه.
وتقول كيم بودي، الرئيسة التنفيذية لشركة 8thirtyfour، إن شركتها تكبدت نحو 10 آلاف دولار نتيجة إعادة صياغة محتوى قدمه أحد المقاولين بعدما بدا أنه مولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي.
مخاوف متزايدة بشأن الوظائف
يتزامن انتشار هذه الأدوات مع تزايد القلق بشأن الأمن الوظيفي. وأظهر استطلاع CNBC أن نحو موظف واحد من كل خمسة يشعر بأن وظيفته أصبحت أقل أمانًا بسبب الذكاء الاصطناعي، فيما ازدادت مخاوف نحو ثلث الموظفين بشأن مستقبل سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، تضغط بعض الشركات على موظفيها لإنجاز المزيد خلال وقت أقل. إلا أن تقارير أشارت إلى أن بعض المؤسسات التي خفضت أعداد موظفيها بهدف الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم تحقق العائد المتوقع، كما خلص باحثون في معهد MIT إلى أن الغالبية العظمى من المؤسسات لم تحقق عائدًا يُذكر من استثماراتها الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويرى فيكتور ريباربيلي، الرئيس التنفيذي لشركة Synthesia، أن ضغوط الأداء قد تدفع الموظفين إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه، حتى عندما لا يكون ذلك ضروريًا. وأشار إلى حالات اضطر فيها إلى انتقاد موظفين بسبب استخدامهم الأدوات الذكية لإعداد وثائق معقدة تحولت في النهاية إلى محتوى مطول يفتقر إلى الفائدة العملية.
عندما يحل الذكاء الاصطناعي محل التواصل البشري
يميل بعض الموظفين كذلك إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بدلًا من التواصل المباشر مع زملائهم. ووفق استطلاع CNBC، طلب نحو ربع مستخدمي الذكاء الاصطناعي من زملائهم اللجوء إلى الأدوات الذكية بدلًا من التواصل معهم مباشرة.
وفي المقابل، وجدت دراسة أجرتها BetterUp Labs بالتعاون مع ستانفورد وأكسفورد أن استخدام القادة للذكاء الاصطناعي بدلًا من إجراء المحادثات التطويرية مع الموظفين ارتبط بارتفاع نية الاستقالة بنسبة 29%، وزيادة الاحتراق الوظيفي بنسبة 26%، وتراجع التنسيق داخل الفرق بنسبة 12%.
تحديات الخصوصية والتواصل
كما أثار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات مخاوف تتعلق بالخصوصية. ففي إحدى شركات الهندسة المعمارية بواشنطن، تسبب استخدام أداة Copilot التابعة لمايكروسوفت في تسجيل الاجتماعات وإرسال نصوصها تلقائيًا إلى المشاركين، بما في ذلك اجتماعات تضمنت معلومات حساسة أو انتقادات قد يساء فهمها خارج سياقها.
ودفعت هذه التجربة الشركة إلى اشتراط موافقة جميع المشاركين قبل استخدام أدوات تدوين الاجتماعات، مع تشجيع الموظفين على تدوين ملاحظاتهم بأنفسهم، بهدف تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على خصوصية التواصل الإنساني.
وفي النهاية، لا يزال تأثير الذكاء الاصطناعي على ثقافة العمل محل انقسام. فقد أظهر استطلاع لـGallup شمل 23،717 شخصًا أن نحو نصف العاملين في المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لاحظوا تغيرًا في ثقافة العمل؛ إذ رأى 25% أن التغيير كان سلبيًا، مقابل 24% اعتبروه إيجابيًا.
ويبدو أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع جميع مشكلات بيئة العمل من الصفر، لكنه يضيف طبقة جديدة إلى تحديات قائمة أصلًا، مثل سوء الإدارة وضعف التواصل وسوء التقدير. ومع توسع استخدامه، أصبح على المؤسسات والموظفين تعلم كيفية توظيفه دون أن يأتي ذلك على حساب الثقة والتعاون والعلاقات الإنسانية داخل بيئة العمل.
