200 يوم في البحر.. «أبراهام لينكولن» الأمريكية تغادر الشرق الأوسط
غادرت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» منطقة الشرق الأوسط بعد انتشار عسكري استثنائي امتد لأكثر من تسعة أشهر، بينها أكثر من 200 يوم متواصل في البحر من دون زيارة ميناء، في واحدة من أطول فترات التشغيل المتواصلة لحاملة طائرات أميركية في العصر الحديث.
وتتجه الحاملة، التي تضم نحو 5 آلاف من البحارة ومشاة البحرية، إلى تايلاند، حيث يُتوقع أن ترسو الأسبوع المقبل في محطة مخصصة للراحة والاستجمام والدعم اللوجستي، من دون تدريبات عسكرية مقررة خلال الزيارة.
مهمة طويلة في قلب حرب إيران
جاء الانتشار الطويل لـ«أبراهام لينكولن» في منطقة شديدة الحساسية، إذ شاركت الحاملة في دعم العمليات العسكرية الأميركية خلال الحرب مع إيران، التي أعادت تشكيل الحسابات الأمنية في الشرق الأوسط.
وكانت الحاملة قد غادرت سان دييغو في نوفمبر/تشرين الثاني، قبل أن تجد نفسها في المنطقة خلال مرحلة تصعيد عسكري واسع. وبقاء الحاملة لفترة طويلة في مسرح العمليات منح واشنطن قدرة على الاحتفاظ بقوة جوية وبحرية متقدمة من دون الاعتماد على قواعد برية وحدها.
ويعكس ذلك أهمية حاملات الطائرات في الاستراتيجية الأميركية، فهي ليست مجرد منصات لإطلاق الطائرات، بل مراكز قيادة متحركة يمكنها توفير الغطاء الجوي والاستطلاع والضربات بعيدة المدى، مع قدر كبير من الاستقلال عن البنية التحتية المحلية.
رقم قياسي يثير التساؤلات
لكن طول المهمة تحول في الأسابيع الأخيرة من مصدر فخر عسكري إلى موضوع جدل داخل الولايات المتحدة.
فالحاملة أمضت أكثر من 200 يوم من دون رسو في ميناء، وهو ما وصفته تقارير بأنه رقم قياسي حديث بالنسبة إلى حاملة طائرات أميركية. ويأتي ذلك ضمن انتشار إجمالي تجاوز 250 يومًا، ما وضع الطاقم والسفينة أمام ضغوط تشغيلية وبشرية استثنائية.
وأثار عدد من أعضاء الكونغرس مخاوف بشأن ظروف الحياة على متن الحاملة، بما في ذلك تقارير عن نقص بعض المواد الغذائية والإمدادات الشخصية ومشكلات في مرافق السفينة، فضلًا عن تراجع الروح المعنوية والضغوط النفسية التي تعرض لها أفراد الطاقم.
كما تحدثت عائلات بحارة عن مخاوف مرتبطة بالصحة النفسية، في وقت أكدت فيه البحرية الأميركية أن طاقم الحاملة أظهر قدرة كبيرة على التحمل خلال الانتشار الطويل.
البنتاغون ينفي بعض التقارير
في المقابل، رفض وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بعض التقارير التي تحدثت عن تدهور خطير في ظروف الطاقم، ما يعكس وجود خلاف بشأن مدى سوء الأوضاع على متن السفينة.
لكن مجرد تحول ظروف أفراد الطاقم إلى موضوع نقاش علني يسلط الضوء على مشكلة أكبر تواجه البحرية الأميركية: كيف تحافظ واشنطن على وجود بحري كثيف في مناطق متعددة في الوقت نفسه من دون استنزاف أطقمها وسفنها؟
فالحاملة لا تحتاج إلى طاقمها فقط، بل تحتاج أيضًا إلى صيانة دورية وإمدادات وقطع غيار وقدرة على الحفاظ على جاهزيتها القتالية.
لماذا تايلاند؟
اختيار تايلاند كمحطة تالية ليس تفصيلًا لوجستيًا عابرًا.
فبانتقال الحاملة إلى شرق آسيا، تبدأ «أبراهام لينكولن» عمليًا مرحلة الخروج من انتشارها الطويل في الشرق الأوسط، قبل العودة لاحقًا إلى الولايات المتحدة.
وأكد مسؤول تايلاندي أن الزيارة تهدف إلى الراحة والاستجمام والدعم اللوجستي، مع عدم التخطيط لتدريبات عسكرية خلال وجودها في البلاد. كما شددت البحرية التايلاندية على أن تفاصيل موعد الرسو والإجراءات الأمنية لن تُعلن مسبقًا.
وهذه المحطة تمنح الطاقم فرصة لاستعادة جزء من جاهزيته بعد أشهر طويلة من العمليات، قبل أن تستكمل الحاملة مسارها نحو الولايات المتحدة.
«جورج واشنطن» تدخل على الخط
مغادرة «أبراهام لينكولن» لا تعني أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن وجود حاملة طائرات في الشرق الأوسط.
فواشنطن تستعد لإرسال «يو إس إس جورج واشنطن» لتحل محل «لينكولن» في المنطقة، ضمن عملية إحلال مقررة، حسب تقارير أميركية. ويأتي ذلك وسط استمرار التوتر المرتبط بإيران، ما يشير إلى أن واشنطن تريد الحفاظ على قدرتها على الردع والعمليات الجوية في المنطقة رغم انتهاء مهمة الحاملة الحالية.
وبالتالي، فإن الصورة الأدق ليست «انسحاب حاملة طائرات أميركية من الشرق الأوسط»، بل تدوير للقوة البحرية الأميركية مع خروج سفينة أنهكها الانتشار الطويل ودخول قوة بديلة.
رسالة مزدوجة
يحمل هذا التبديل رسالة مزدوجة.
الأولى إلى الحلفاء في الشرق الأوسط، ومفادها أن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة للحفاظ على حضور عسكري قوي في المنطقة رغم انتهاء مهمة «لينكولن».
أما الرسالة الثانية فتتعلق بالبحرية الأميركية نفسها: الانتشار الطويل للغاية يمكن أن يحقق أهدافًا عملياتية مهمة، لكنه يفرض ثمنًا بشريًا ولوجستيًا لا يمكن تجاهله.
ويكشف انتقال «لينكولن» بعد أكثر من 200 يوم في البحر أن الحفاظ على القوة البحرية الأميركية في حالة جاهزية مستمرة يتطلب موازنة دقيقة بين متطلبات الردع واحتياجات الصيانة وراحة الطواقم.
بين الشرق الأوسط والمحيط الهادئ
وتبرز هنا معضلة استراتيجية أوسع أمام واشنطن.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى حاملات الطائرات في الشرق الأوسط لمواجهة التهديدات الإيرانية وحماية مصالحها وحلفائها، لكنها تحتاج إليها أيضًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لموازنة الصين.
وإرسال «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط يعني إعادة توزيع إحدى أهم أدوات القوة البحرية الأميركية بين مسارحين استراتيجيين شديدي الأهمية، وهو ما يضيف ضغوطًا على أسطول حاملات الطائرات الأميركي.
ومن هذه الزاوية، فإن قصة «أبراهام لينكولن» لا تتعلق بسفينة واحدة فقط، بل تكشف حجم الطلب المتزايد على القوة العسكرية الأميركية حول العالم.
نهاية مهمة.. لا نهاية للحضور
بعد أكثر من 200 يوم بلا رسو، تدخل «أبراهام لينكولن» مرحلة مختلفة عنوانها الراحة وإعادة التأهيل والعودة إلى الولايات المتحدة.
لكن مغادرتها الشرق الأوسط لا تعني أن واشنطن تقلص حضورها العسكري هناك؛ فاستبدالها بـ«جورج واشنطن» يؤكد استمرار الرهان الأميركي على القوة البحرية كأداة رئيسية للردع وإدارة الأزمات.
وبينما تتهيأ الحاملة للرسو في تايلاند، يبقى الرقم الأبرز في قصتها الأخيرة هو 200 يوم متواصل في البحر؛ رقم يلخص في آن واحد قدرة البحرية الأميركية على إبقاء قوة ضخمة في حالة تشغيل طويلة، والتحديات التي يفرضها هذا النوع من الانتشار على السفن والأطقم.
وفي النهاية، فإن خروج «أبراهام لينكولن» من الشرق الأوسط ليس انسحابًا أميركيًا من المنطقة، بل عملية تبديل للقوة تأتي بعد مهمة استثنائية، فيما تستعد واشنطن لمرحلة جديدة من الانتشار العسكري وسط استمرار التوترات الإقليمية.
