السيسي: العلاقات المصرية الصينية نموذج للصداقة والتعاون بين دول الجنوب
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر والصين تحتفلان خلال عام 2026 بمرور 70 عامًا على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مشيرًا إلى أن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956.
وأوضح الرئيس السيسي أن هذه المناسبة تمثل محطة مهمة في تاريخ العلاقات المصرية الصينية، التي لم تقتصر على العلاقات السياسية والدبلوماسية، وإنما امتدت لتشمل التعاون الاقتصادي والاستثماري والصناعي والتكنولوجي، إلى جانب التنسيق بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
وجاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في مقال نشرته صحيفة الأهرام، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، حيث رحب الرئيس السيسي بنظيره الصيني، واصفًا إياه بأنه «ضيف عزيز» على مصر، ومؤكدًا أهمية الزيارة في دفع العلاقات بين القاهرة وبكين إلى آفاق أوسع.
السيسي: الحضارتان المصرية والصينية أسهمتا في تطور البشرية
وأشار الرئيس السيسي إلى أن العلاقات بين مصر والصين تستند إلى جذور تاريخية وحضارية عميقة، مؤكدًا أن الحضارتين المصرية والصينية قدمتا إسهامات بارزة في مسيرة المعرفة الإنسانية.
وأوضح أن الحضارة المصرية القديمة قدمت للعالم إسهامات مهمة في مجالات الطب والهندسة والفلك والعلوم المختلفة، بينما قدمت الحضارة الصينية العديد من الابتكارات والاكتشافات التي سبقت عصرها وأسهمت في تطور المعرفة الإنسانية على مدار قرون طويلة.
وأكد الرئيس أن تراكم هذه المعارف والخبرات الحضارية ساهم في وصول البشرية إلى مراحل متقدمة من التطور، وصولًا إلى الثورة الصناعية ثم الثورة التكنولوجية التي غيرت شكل العالم وأحدثت تحولات واسعة في مختلف مجالات الحياة.
وشدد السيسي على أن الإرث الحضاري المشترك بين مصر والصين يؤكد أهمية التعاون من أجل ضمان استفادة الشعوب من التكنولوجيا الحديثة، والعمل على إتاحة أدوات المعرفة والابتكار بصورة أكثر عدالة بما يدعم التنمية الشاملة.
70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية
وتناول الرئيس عبد الفتاح السيسي مسيرة العلاقات المصرية الصينية الممتدة على مدار سبعة عقود، موضحًا أنها شهدت تطورًا مستمرًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1956.
وأشار إلى أن هذه العلاقات انتقلت من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستويات أكثر تقدمًا، وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين عام 2014، وهو ما فتح مجالات جديدة للتعاون بين البلدين.
وشهدت السنوات الماضية توسعًا ملحوظًا في العلاقات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والصناعية، إلى جانب زيادة التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والنقل والاتصالات والبنية التحتية.
وأكد الرئيس أن الصين أصبحت شريكًا اقتصاديًا وتجاريًا رئيسيًا لمصر، في ظل تنامي حجم الاستثمارات الصينية داخل السوق المصرية، ولا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل واحدة من أهم مناطق جذب الاستثمارات والصناعات الموجهة للتصدير.
الاستثمارات الصينية في مصر ودعم المشروعات القومية
ولفت الرئيس السيسي إلى الدور الذي تلعبه الشركات الصينية في تنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى داخل مصر، موضحًا أن التعاون بين القاهرة وبكين لم يعد قائمًا فقط على التبادل التجاري، وإنما أصبح يشمل تنفيذ مشروعات استراتيجية تخدم خطط التنمية المصرية.
ومن أبرز مجالات التعاون المشروعات المرتبطة بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومنها حي المال والأعمال، إلى جانب مشروعات النقل مثل القطار الكهربائي، فضلًا عن التعاون في مجالات الطاقة المتجددة وتطوير الموانئ والبنية الأساسية.
وأكد الرئيس أن هذه المشروعات تعكس تطور طبيعة الشراكة المصرية الصينية، وتحولها من مجرد علاقات تجارية إلى تعاون تنموي متكامل يهدف إلى دعم الاقتصاد المصري ورفع كفاءة البنية التحتية.
كما أشار إلى أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها منصة مهمة لجذب المزيد من الاستثمارات الصينية، والاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر في الوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية.
مصر والصين والتعاون في الصناعة والتكنولوجيا
وأوضح الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تسعى إلى تحقيق التكامل بين استراتيجية الدولة لتوطين الصناعة وتعميق الإنتاج المحلي، وبين استراتيجية الصين للتنمية عالية الجودة.
وأكد أن هذا التكامل يمكن أن يفتح المجال أمام جذب المزيد من الصناعات الصينية إلى مصر، بما يساهم في زيادة الاستثمارات وتوفير فرص العمل وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية.
وشدد السيسي على أهمية توسيع التعاون في المجالات التكنولوجية الحديثة، وعلى رأسها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، باعتبارها قطاعات رئيسية في مستقبل الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة يمثلان عنصرين أساسيين في تطوير الشراكة بين البلدين، خاصة في ظل التحول العالمي المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي والصناعات القائمة على المعرفة.
السيسي يشيد بالتجربة التنموية الصينية
وأعرب الرئيس السيسي عن تقديره للتجربة التنموية الصينية، مشيرًا إلى أن الصين استطاعت خلال العقود الماضية تحقيق معدلات نمو وتطور اقتصادي كبيرة، إلى جانب نجاحها في القضاء على الفقر المدقع.
وأكد أن التجربة الصينية أصبحت مصدر إلهام للعديد من الدول النامية التي تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في تحسين مستوى معيشة المواطنين.
وأشار إلى أن مصر تنظر بإيجابية إلى التعاون مع الصين في المجالات التي تخدم أهداف التنمية الوطنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلال القرار المصري وتنويع الشراكات الدولية.
مصر والصين ودعم دول الجنوب
وتطرق الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أهمية التعاون بين دول الجنوب، مؤكدًا أن مصر تعمل على تعزيز صوت الدول النامية وزيادة حضورها وتمثيلها داخل المؤسسات الدولية.
وأوضح أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تتطلب مزيدًا من التنسيق بين الدول النامية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة وتغير المناخ والتمويل والتنمية المستدامة.
وشدد السيسي على تمسك مصر بسياسة الاتزان الاستراتيجي واستقلالية القرار في سياستها الخارجية، مؤكدًا أن القاهرة تسعى إلى إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية بما يخدم مصالح الدولة المصرية.
وأكد أن التعاون المصري الصيني يمكن أن يمثل نموذجًا للتعاون بين دول الجنوب، خاصة مع وجود خبرات مشتركة ومصالح متبادلة في العديد من الملفات الاقتصادية والتنموية.
زيارة شي جين بينج إلى مصر تفتح آفاقًا جديدة
وتأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت مهم بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ويرى الجانب المصري أن الزيارة تمثل فرصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ودفع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وفتح مجالات جديدة أمام الشركات والمؤسسات في البلدين.
كما يمكن أن تسهم الزيارة في تعزيز التنسيق السياسي بين مصر والصين بشأن الملفات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم وتزايد أهمية التعاون بين دول الجنوب.
وتحظى ملفات الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار بأهمية خاصة في مسار التعاون المستقبلي بين البلدين، بما يتوافق مع خطط التنمية المصرية والتوجهات الاقتصادية الصينية.
السيسي: نتطلع إلى فصل جديد من الصداقة المصرية الصينية
وفي ختام مقاله، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تطلع مصر إلى مواصلة مسيرة التعاون والصداقة مع الصين، والعمل على بناء مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية.
وقال الرئيس السيسي: «نتطلع لأن نكتب معًا فصلًا جديدًا من فصول الصداقة المصرية الصينية التي امتدت لآلاف السنوات»، معربًا عن أمله في أن تشهد العقود المقبلة مزيدًا من التطور والازدهار للشعبين المصري والصيني.
وأكد أن مصر والصين تمتلكان مقومات قوية لمواصلة تطوير الشراكة بينهما، مستندتين إلى تاريخ طويل من التواصل الحضاري والعلاقات الدبلوماسية والتعاون السياسي والاقتصادي.
وتعكس الذكرى السبعون للعلاقات المصرية الصينية حجم التطور الذي شهدته الشراكة بين البلدين، والتي أصبحت تمتد إلى قطاعات استراتيجية متعددة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون في الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا والتنمية.
كما تمثل العلاقات المصرية الصينية نموذجًا للتعاون القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في ظل رغبة البلدين في تعزيز الاستقرار والتنمية، ودعم فرص التعاون بين دول الجنوب.
ومع استمرار التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، تبدو الشراكة بين القاهرة وبكين مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة في المجالات المرتبطة بالتصنيع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية.
وتؤكد مصر من خلال هذه الشراكة رغبتها في الاستفادة من الخبرات الدولية المتنوعة، وفي مقدمتها التجربة الصينية، بما يدعم خطط الدولة لتوطين الصناعة وجذب الاستثمارات وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
وفي المقابل، تمثل مصر بالنسبة للصين شريكًا مهمًا في المنطقة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها السياسي وحضورها في القارة الإفريقية والعالم العربي، وهو ما يمنح العلاقات بين البلدين أبعادًا اقتصادية وسياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي.
وبذلك تدخل العلاقات المصرية الصينية عامها السبعين بقاعدة واسعة من التعاون، وطموحات متزايدة لفتح مجالات جديدة للشراكة، بما يعزز المصالح المشتركة ويدعم جهود التنمية والاستقرار في البلدين والمنطقة.
