الإثنين 28 سبتمبر 2026
booked.net

اليابان تكافح.. الأغذية والأجور يكشفان ضغوط المعيشة

متن نيوز

ضعف الين قد يكون مكسبًا للسياح الأجانب، لكنه يفاقم ضغوط المعيشة على الأسر اليابانية، التي تضطر إلى تقليص مشترياتها واستبدال الأغذية والسلع الأساسية بأخرى أرخص.

 

وبحسب تقرير نشره موقع "فوركس" (Forex)، تتحول المتاجر الكبرى في اليابان تدريجيًا من أماكن للتسوق إلى ساحات لاتخاذ قرارات صعبة، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القوة الشرائية.

 

وقال مدير متجر كبير في شمال اليابان للصحافة المحلية هذا الصيف، إنه يتألم لرؤية المتسوقين يتجولون بملامح متوترة.

 

ويخفي معدل التضخم الرئيسي، البالغ 1.9%، ارتفاعات أكبر في أسعار الغذاء، إذ زادت التونة نحو 25%، والملفوف 45%، والشاي الأخضر 31.5%.

 

ورغم تراجع أسعار الأرز عن ذروتها في بداية العام، فإنها لا تزال مرتفعة، فيما يُتوقع ارتفاع أسعار نحو 20 ألف منتج من الأغذية والمشروبات هذا العام، ما يدفع الأسر إلى الاستبدال وتقليص الإنفاق.

غلاء الغذاء يغيّر عادات الأسر اليابانية

 

وأشار "فوركس" إلى أن الحرب في إيران رفعت أيضًا تكاليف مواد التغليف. وأعلنت شركة "كالبي" للوجبات الخفيفة تحويل بعض عبوات رقائق البطاطس إلى تصاميم بالأبيض والأسود، بسبب مشكلات الإمدادات، وارتفاع تكاليف المواد.

 

وتستبدل أسر يابانية اللحوم والأسماك بمصادر بروتين أرخص، مثل التوفو والبيض، وتتناول الطعام خارج المنزل مرات أقل، وتقلل مشترياتها من السلع الكمالية.

 

وبحسب مسح للأسر المستفيدة من خدمات دعم وجبات الأطفال، خفّض نحو 50% من الآباء مشتريات الفواكه والخضراوات، فيما أعرب 92% عن قلقهم بشأن تغذية أطفالهم.

 

وأظهرت استطلاعات أخرى أن بعض الأسر تقلل استخدام أجهزة التكييف خلال الصيف، وتحاول الاكتفاء بوجبة واحدة بدلًا من الإفطار والغداء عدة مرات أسبوعيًا، وتتجه إلى المعكرونة بدلًا من الأرز لخفض التكلفة.

 

ويلجأ المتقاعدون إلى متاجر أبعد بحثًا عن أسعار أقل، فيما ينتظر آخرون التخفيضات المسائية لشراء احتياجاتهم الأسبوعية.

 

ضعف الين يفاقم الأزمة

 

ويرى التقرير أن ضعف الين أحد أبرز مصادر الضغط، إذ يرفع كلفة الواردات، بما فيها الغذاء. وفي يوليو (تموز) 2026، هبطت العملة إلى أدنى مستوى أمام الدولار في 40 عامًا، ما دفع إلى تدخل نادر مشترك بين الولايات المتحدة واليابان.

 

وتخشى واشنطن، إلى جانب أثر الين الضعيف على الصادرات اليابانية، أن يؤدي هبوطه الحاد إلى اضطرابات في أسواق أخرى. ويقترض مستثمرون مبالغ كبيرة بالين منخفض التكلفة لشراء أصول في أسواق أخرى، وأي انعكاس مفاجئ لـ "تجارة المناقلة" قد يدفعهم إلى بيع تلك الأصول سريعًا.

 

ولم يدم أثر التدخل الأمريكي-الياباني طويلًا، وعندما رفع بنك اليابان هذا الشهر أسعار الفائدة إلى 1.25%، وهو أعلى مستوى في 31 عامًا، تراجع الين بعدما خلص المستثمرون إلى أن وتيرة الرفع مستقبلًا ستكون بطيئة.

الين الضعيف يجذب السياح

 

في المقابل، يمثل ضعف الين مكسبًا للسياح الأجانب، وهو تفاوت بدأ ينعكس على أسعار الخدمات السياحية.

 

وبحسب "فوركس"، بدأت مطاعم ومعالم سياحية في تجربة التسعير المزدوج، ومن الأمثلة مطعم المأكولات البحرية "تاماته باكو" في شيبويا بطوكيو، الذي افتتح في 2024 وفرض سعرًا أعلى على السياح الأجانب، واصفًا الفارق بأنه "خصم محلي".

 

كما أصبحت تذاكر قلعة هيميجي أغلى للزوار القادمين من خارج المدينة، في نموذج اعتُبر أقل إثارة للجدل من الفصل بين الأجانب والمقيمين اليابانيين.

 

وأدى ذلك، وفق التقرير، إلى انخفاض أعداد الزوار وارتفاع الإيرادات، فيما تخطط وكالة الشؤون الثقافية اليابانية لتطبيق التسعير المزدوج في المتاحف والمعارض الحكومية، لتغطية تكاليف خدمات الدعم باللغات المتعددة.

 

الأجور تدفع اليابانيين إلى الخارج

 

يثير ضعف الين وارتفاع تكاليف المعيشة اتجاهًا آخر، يتمثل في مغادرة بعض اليابانيين للعمل في الخارج، حيث يمكنهم الحصول على أجور أعلى.

 

وتبرز الضغوط بصورة خاصة بين الخريجين الجدد، إذ تبلغ كلفة شقة جديدة بمساحة 70 مترًا مربعًا في طوكيو نحو 17 ضعف متوسط الدخل السنوي، فيما تقل رواتب البداية عن مستوياتها في دول مثل أستراليا.

 

وتتواصل، رغم ذلك، الزيادة المتواضعة في أعداد اليابانيين الذين يتحولون إلى مقيمين دائمين في الخارج، ما يثير مخاوف من نزيف للعقول ومزيد من الضغط على سوق العمل الذي يعاني شحًا في العمالة.

إنفاق ضخم مقابل ديون مرتفعة

 

وتواجه حكومة ساناي تاكايتشي اختبارًا صعبًا بين معالجة أزمة المعيشة وتمويل خطط النمو.

 

وقالت تاكايتشي خلال الصيف، إن معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة تمثل "الأولوية القصوى" لحكومتها.

 

وفي المقابل، تستثمر الحكومة في الأمن الغذائي وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، بينما تتحسن ثقة الشركات تدريجيًا وتبقى البطالة عند نحو 2.4%.

 

لكن الأسعار، من الغذاء إلى الإيجارات والسكن، تواصل الارتفاع، فيما لم تستعد الأجور والمعاشات بعد القوة الشرائية التي فقدتها خلال سنوات.

 

وتستهدف خارطة الطريق الحكومية استثمارات عامة وخاصة بقيمة 1.7 تريليون جنيه إسترليني على مدى 15 عامًا، في وقت يبلغ فيه الدين الحكومي نحو 200% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

ومن أبرز الإجراءات المقترحة خفض ضريبة الاستهلاك على الأغذية من 8% إلى 1% لمدة عامين اعتبارًا من أبريل المقبل. ويرى منتقدون أن الإجراء لا يستهدف بالضرورة الفئات الأكثر احتياجًا، كما يخلق "هاوية" في 2029 عندما تعود الضريبة إلى 8%.

 

ويبقى السؤال، حسب "فوركس"، ما إذا كانت ضغوط المعيشة الحالية ستكون تكلفة مؤقتة لعودة اليابان إلى الازدهار، أم أن ارتفاع الأسعار وفقدان القوة الشرائية سيطيلان فترة الضغوط على الأسر.

 

وفي نهاية المطاف، ستتوقف النتيجة على معنويات الأسواق، إلى جانب قدرة الحكومة وبنك اليابان على إدارة المرحلة المقبلة.