كيف تتلاحق فصول الصراع الأمريكي الصيني على الذكاء الاصطناعي؟
لم تعد المنافسة الأمريكية الصينية على الذكاء الاصطناعي سباقًا لإنتاج النموذج الأفضل فقط، بل تحولت إلى معركة على مفاتيح تشغيله: الرقائق، الحوسبة، مراكز البيانات، الذاكرة، البرمجيات وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى أوزان النماذج نفسها.
كانت نقطة التحول في أكتوبر(تشرين الأول) 2022، عندما فرضت وزارة التجارة الأمريكية قيودًا واسعة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين، مستهدفة أيضًا قدرة الشركات الصينية على تطوير الحواسيب العملاقة وتصنيع الرقائق المتقدمة. وأوضحت هيئة الصناعة والأمن الأمريكية "BIS" أن القيود شملت رقائق الحوسبة المتقدمة ومعدات التصنيع وبعض أشكال الدعم الأمريكي للمصانع الصينية.
إغلاق منافذ الالتفاف
بعد عام، لم تكتفِ واشنطن بالقيود الأولى، بل شددتها في أكتوبر 2023، بتعديل معايير الرقائق الخاضعة للرقابة وإضافة معيار "كثافة الأداء"، وتوسيع القيود على معدات تصنيع أشباه الموصلات، بهدف إغلاق مسارات الالتفاف. وربطت هيئة الصناعة والأمن الأمريكية BIS صراحة بين الحوسبة المتقدمة، وتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي ذات الاستخدامات العسكرية.
البديل الصيني يبدأ في الظهور
في مايو(أيار) 2024، أفادت "رويترز" بأن رقاقة Nvidia H20، المصممة للسوق الصينية بعد القيود الأمريكية، بدأت تواجه منافسة من رقاقة Huawei Ascend 910B، مع بيع H20 في بعض الحالات بخصم يتجاوز 10% عن الرقاقة الصينية
صدمة DeepSeek
جاءت DeepSeek لتقلب المعادلة من زاوية أخرى. في يناير(كانون الثاني) 2025، أطلقت الشركة الصينية نموذجًا قالت إنه يعتمد على رقائق أقل كلفة وبيانات أقل، ما دفع الأسواق إلى التساؤل عما إذا كان التفوق في الذكاء الاصطناعي يتطلب فعلًا الكميات الهائلة من الرقائق ومراكز البيانات التي افترضها الجانب الأمريكي. وتراجعت Nvidia في إحدى جلسات يناير بنحو 11.7%، وفق "رويترز".
لكن واشنطن واصلت تضييق دائرة الحوسبة. ففي أبريل (نيسان) 2025 فرضت قيودًا جديدة على تصدير H20 إلى الصين، وأعلنت Nvidia رسومًا 5.5 مليار دولار مرتبطة بالرقائق، التي أصبحت مهمة للشركات الصينية في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
الصين تنتقل من الرقائق إلى المنظومة
بدأ المشهد يتغير في 2026، من محاولة إنتاج بديل لـNvidia إلى بناء منظومة متكاملة. وأعلنت Huawei رقائق AI جديدة لعام 2027، فيما تعمل على ربط أعداد ضخمة من المعالجات ضمن أنظمة حوسبة واحدة. ووفق تحليل لـ "رويترز"، استحوذت Huawei وT-Head التابعة لـAlibaba معًا على 41% من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي في الصين خلال 2025، بعد أن كانت حصتهما هامشية قبل سنوات.
لكن عنق زجاجة جديدًا ظهر، هو الذاكرة. فـHBM عنصر أساسي في تشغيل الحوسبة المتقدمة، وأدت ندرتها العالمية إلى رفع شركات صينية أسعار رقائقها، بينها Huawei وCambricon، فيما زادت القيود الأمريكية على صادرات أنواع متقدمة، منها صعوبة تأمينها للصناعة الصينية.
المعركة تصل إلى البرمجيات
وجاءت أحدث محطة قبل أكتوبر(تشرين الأول) لتكشف عمق التحول. إذ أعلنت DeepSeek تعاونها مع Huawei لتطوير أدوات برمجية محسنة لرقائق Ascend، وإتاحة بنية مفتوحة تشمل مكتبات الحوسبة والاتصال، إلى جانب تطوير نظام "supernode" يعتمد على 128 رقاقة Ascend 950، وفقًا لـ "رويترز".
هنا لم تعد المعركة على الرقائق وحدها، بل على المنظومة البرمجية التي تجعلها قابلة للاستخدام والمنافسة.
مفارقة تكشف حدود الاستقلال
ظهرت المفارقة في اليوم التالي. إذ نقلت "فايننشال تايمز"، حسب "رويترز"، أن Tencent اتفقت مع Oracle على استئجار نحو 100 ألف رقاقة AI متقدمة عبر مراكز بيانات في جنوب شرق آسيا، ضمن صفقة لخمس سنوات تقدر بنحو 7 مليارات دولار. وأكدت "رويترز" أنها لم تتمكن من التحقق من التقرير مستقلًا، فيما لم ترد Tencent وOracle على طلبات التعليق.
وهكذا تكشف هذه المحطة مفارقة السباق: الصين تبني رقائقها وبرمجياتها وبنيتها الحوسبية، لكن لا تزال بحاجة إلى الوصول إلى قدرات حوسبة متقدمة خارج حدودها.
