القرار السيادي المستقل: لماذا يظل الانتقالي الحامل الوحيد لتطلعات الاستقلال؟
تشهد قضية شعب الجنوب في الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا ومثيرًا للجدل السياسي حول ما بات يُعرف بظاهرة "تفريخ المكونات السياسية"، والتي برزت كأحد أبرز ملامح المشهد العام في محافظات الجنوب، مثيرةً تساؤلات عميقة وجوهرية حول دلالاتها وتوقيتها وتداعياتها على مستقبل المشروع التحرري. وبين من يحاول تصوير هذه الظاهرة كنوع من التعبير عن حراك سياسي متجدد وتعددية ديمقراطية، وبين من يعتبرها مؤشرًا مقلقًا ومخططًا مدفوع الثمن لتفتيت الصف الجنوبي، تتكشف أبعاد هذه الظاهرة في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، مما يفرض الحاجة الملحة إلى قراءة تحليلية رصينة تتجاوز القشور السطحية لتغوص في جوهر الأهداف والنتائج المترتبة على خلق كيانات سياسية هلامية لا تمتلك جذورًا حقيقية في وجدان الشارع الجنوبي ولا رصيدًا نضاليًا يسند حضورها المصطنع.
مشهد متشابك وصراع على التمثيل السياسي
يرى مراقبون وسياسيون أن التعددية السياسية في أي مجتمع حي تعد ظاهرة صحية تعكس حيوية المجتمع وتنوع آراء أبنائه، إلا أن ما يجري في الساحة الجنوبية حاليًا يتخذ منحى مختلفًا تمامًا عما تقتضيه الممارسة الديمقراطية السليمة، حيث لا يرتبط هذا التوسع الكمي في إعلان المكونات ببرامج سياسية واضحة أو مشاريع وطنية متمايزة تخدم المواطن الجنوبي، بقدر ما يعكس حالة من التنافس المحموم على النفوذ والتمثيل السياسي لخدمة أجندات قوى معادية للجنوب. وفي ظل غياب إطار جامع ينظم هذه التعددية المفترضة خارج مظلة الإجماع الوطني، تتحول هذه المكونات إلى مجرد أدوات للصراع السياسي والابتزاز، بدلًا من أن تكون رافدًا يعزز قوة الحضور الجنوبي في المحافل الدولية، حيث تكمن خطورتها في الظهور المفاجئ قبيل الاستحقاقات الكبرى لتشتيت الانتباه عن القضية الجوهرية المتمثلة في استعادة الدولة.
الأهداف الكامنة وراء صناعة الكيانات الكرتونية
تتجه التحليلات السياسية الرصينة نحو البحث عن الدوافع الحقيقية التي تقف خلف إنشاء هذه المكونات، حيث تبرز رغبة واضحة في تشتيت وحدة القرار السيادي الجنوبي، بما يؤدي بالتبعية إلى إضعاف القدرة التفاوضية للجنوبيين كجبهة موحدة صلبة أمام المجتمع الدولي. علاوة على ذلك، تهدف هذه الظاهرة إلى خلق حالة من الإرباك الإعلامي المتعمد عبر تصدير بيانات متضاربة تعكس تعدد المرجعيات، مما يوحي للعالم بأن الجنوبيين شتات لا يجمعهم هدف واحد، وهو ما يخالف الواقع تمامًا. كما تسعى هذه المحاولات إلى تغذية الانقسامات المناطقية واستثمار الخلافات البينية البسيطة وتحويلها إلى أطر تنظيمية متنافسة لإضعاف التماسك الداخلي وإبقاء الجنوب غارقًا في دائرة التنازع المستمر الذي يخدم خصومه المتربصين بثرواته ومكتسباته.
المجلس الانتقالي: مركز الثقل والشرعية الشعبية
في مقابل حالة التشتت المفتعلة، يبرز دور المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي والشرعي الوحيد لقضية شعب الجنوب، وهو الكيان الذي لم يأتِ بقرار خارجي أو بتمويل مشروط، بل انبثق من رحم المعاناة ونال تفويضًا شعبيًا واسعًا ومليونيًا لتمثيل تطلعات أبناء الجنوب من المهرة إلى باب المندب. وتحت قيادة حكيمة من الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، نجح المجلس في التحول إلى نقطة ارتكاز محورية للحفاظ على وحدة المسار السياسي، وحماية المكتسبات العسكرية والأمنية التي تحققت بدماء الشهداء. ويرى المحللون أن أي تعددية سياسية حقيقية يجب أن تندرج وتصطف ضمن الإطار الوطني الجامع الذي يقوده الانتقالي، لا أن تتحول إلى معاول هدم تسعى لاختراق الصف الجنوبي من الداخل بعد فشل محاولات كسره من الخارج عبر الحروب العسكرية والاقتصادية.
تحديات المرحلة وضرورة الاصطفاف الوطني
يحذر المراقبون السياسيون من أن استمرار ظاهرة "التفريخ" دون مواجهة وطنية شاملة قد يقود إلى استخدام هذه المكونات كـ "شهود زور" في أي تسوية سياسية قادمة لتمرير حلول لا ترتقي لتضحيات شعب الجنوب. وفي هذا الصدد، يشدد الخبراء على أن الحق في التنظيم السياسي لا يبرر أبدًا ضرب الهوية الوطنية أو العمل كأداة لتفكيك النسيج الاجتماعي، فالضرورة تقتضي في هذه المرحلة المفصلية أعلى درجات التماسك والاصطفاف خلف المشروع الوطني الجامع لمواجهة المؤامرات التي تُحاك في الغرف المظلمة. إن الوعي الشعبي الجنوبي هو الركيزة الأساسية لإفشال هذه المخططات، حيث أثبتت التجارب أن الكيانات التي تولد في أحضان التمويل الخارجي تنتهي بانتهاء الغرض منها، بينما يبقى المشروع الوطني الأصيل راسخًا برسوخ الجبال.
تحصين البيت الجنوبي واستعادة الدولة
في ظل هذا المشهد المتشابك، تبرز الحاجة الملحة للاستمرار في نهج الحوار الجنوبي الشامل الذي انتهجه المجلس الانتقالي، والذي يهدف إلى تعزيز مبدأ الشراكة الحقيقية بين كافة القوى المؤمنة بالاستقلال. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة التنوع ليكون عامل قوة يصب في مصلحة القضية، والوقوف بقوة خلف القيادة السياسية المفوضة لضمان الوصول إلى الهدف المنشود المتمثل في استعادة الدولة كاملة السيادة. يبقى مستقبل المشهد الجنوبي مرهونًا بقدرة القوى الحية على كشف زيف المكونات المصطنعة، فالشعب الذي صنع ملحمة التحرير بدمائه يمتلك من الوعي ما يكفي للتمييز بين المشاريع الوطنية الصادقة وبين الأجندات الوظيفية العابرة، وسيظل المجلس الانتقالي هو الحصن المنيع والجبهة العريضة التي تتحطم عليها كل محاولات التفتيت والالتفاف.