< إرادة الجنوب في مواجهة حرب الخدمات: الصمود خلف القيادة السياسية
متن نيوز

إرادة الجنوب في مواجهة حرب الخدمات: الصمود خلف القيادة السياسية

شعب جنوب اليمن
شعب جنوب اليمن

يُشكل القرار الأخير برفع أسعار المشتقات النفطية في العاصمة عدن حلقة جديدة وصادمة في سلسلة طويلة مما بات يُعرف بـ "حرب الخدمات" الممنهجة التي تُشن ضد شعب الجنوب بوضوح تام. 

هذه الحرب التي تتجاوز في أهدافها الحقيقية الأبعاد الاقتصادية التقليدية، أصبحت وسيلة ضغط سياسي وعسكري واضحة المعالم، تهدف في جوهرها إلى إخضاع الإرادة الوطنية الجنوبية وتركيع الحاضنة الشعبية عبر استهداف سبل العيش اليومية وأساسيات الحياة. إن ما يشهده الجنوب اليوم من غليان معيشي ليس مجرد أزمة عابرة ناتجة عن تقلبات الأسواق الدولية أو تعثر سلاسل الإمداد، بل هو نتاج مباشر لسياسة "التجويع المتعمد" التي تنتهجها القوى المعادية التي ما زالت تنظر إلى أرض الجنوب كغنيمة حرب ومصدر للثروات فقط، دون أي اعتبار للحقوق الإنسانية للسكان المحليين الذين يعانون الأمرين تحت وطأة قرارات اقتصادية جائرة ومجحفة.

التلاعب بالوقود وانهيار منظومة الخدمات.. سلاح الفوضى الاجتماعية

من خلال التلاعب المستمر بأسعار الوقود، وما يتبع ذلك من انهيار كارثي في منظومة الكهرباء وتدهور مخيف في سعر صرف العملة المحلية، تسعى القوى النافذة إلى خلق حالة من الفوضى الاجتماعية والإحباط الشعبي الواسع.

 إن الهدف من هذه التحركات هو محاولة بائسة لزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي الكبير الذي تحقق بفضل تضحيات القوات المسلحة الجنوبية وتلاحم الشعب. ويجد المواطن الجنوبي نفسه اليوم مضطرًا لدفع ثمن باهظ لموقعه الاستراتيجي وثرواته النفطية والغازية الهائلة التي تسعى "قوى النفوذ" وأدواتها للسيطرة عليها ونهبها بشتى الطرق. وبينما يعاني المواطن في العاصمة عدن وحضرموت ولحج وأبين وشبوة من الغلاء الفاحش، تذهب عائدات الثروات السيادية إلى جيوب قوى الفساد التي ترفض توريد هذه العائدات للبنك المركزي في عدن، مما يحرم السوق المحلية من تأمين احتياجاتها الأساسية وتعزيز قيمة العملة الوطنية المنهارة.

المفارقة المؤلمة.. جنوب غني بالثروات وشعب يكابد الفقر

تكمن المفارقة المؤلمة والمستفزة في أن الجنوب، الغني بموارده الطبيعية الممتدة من شبوة إلى حضرموت، يُجبر مواطنه على شراء لتر البنزين بأسعار خيالية تفوق قدرته الشرائية المتآكلة، بينما تُنهب مقدراته لتمويل أجندات معادية تمامًا لتطلعاته الوطنية المشروعة. 

إن هذه السياسة تكرس واقعًا مأساويًا حيث تُصدر الثروات إلى الخارج أو تُنهب داخليًا، في حين يعيش المواطن تحت وطأة الظلام وغلاء المواصلات وارتفاع أسعار السلع الغذائية المرتبطة كليًا بأسعار المشتقات النفطية. إن الصبر الذي يبديه المواطن الجنوبي اليوم أمام هذه الأزمات المتلاحقة ليس علامة على الضعف أو القبول بالأمر الواقع، بل هو وعي عميق بأبعاد المؤامرة السياسية التي تستهدف استعادة السيطرة على أرضه ومقدراته الوطنية، وهو وعي يتحول تدريجيًا إلى غضب شعبي يطالب بضرورة الإدارة الذاتية للموارد بعيدًا عن هيمنة مراكز النفوذ التقليدية.

معركة الوجود والكرامة.. انتصار الجنوب في حرب الأمعاء الخاوية

رغم قسوة المعاناة وتفاقم الأزمات المعيشية التي تضرب كل بيت في الجنوب، إلا أن هذه المحاولات لن تنال أبدًا من عزيمة الجنوبيين وصلابة موقفهم السياسي. لقد أثبت شعب الجنوب في كل المنعطفات التاريخية السابقة أن إرادته الحرة لا تُكسر بحرب الخدمات أو بسياسة الإفقار والتجويع. فالمعركة الدائرة اليوم هي في حقيقتها "معركة وجود وكرامة"، والجنوب الذي انتصر بجدارة في ميادين القتال ضد الإرهاب ومشاريع الاحتلال، سينتصر حتمًا في هذه الجولة من "حرب الأمعاء الخاوية". 

إن الضيق المعيشي لن يزيد الشعب إلا إصرارًا على المضي قدمًا في انتزاع كامل حقوقه، وتحويل هذه الأزمات المفتعلة إلى دافع قوي لتعزيز التلاحم الوطني خلف القيادة السياسية الجنوبية، وصولًا إلى تحقيق السيادة الكاملة على الأرض والموارد، ووضع حد نهائي لنهب الثروات الذي استمر لعقود طويلة.

نحو رؤية اقتصادية جنوبية مستقلة لإنهاء أزمات الطاقة

إن الحل الجذري لأزمة المشتقات النفطية المتكررة في عدن وبقية المحافظات الجنوبية لا يمكن أن يتم عبر المسكنات أو الوعود العرقوبية، بل يتطلب رؤية اقتصادية جنوبية مستقلة تضمن حق المواطن في الاستفادة من ثروات بلاده بأسعار عادلة وميسرة. 

إن السيطرة على مصافي عدن وإعادة تشغيلها، وتوجيه إنتاج الحقول النفطية في حضرموت وشبوة لتلبية احتياجات السوق المحلية أولًا، هي خطوات استراتيجية لا بديل عنها لكسر احتكار قوى النفوذ وإنهاء سياسة الابتزاز بالخدمات. إن الشعب الذي يواجه اليوم غلاء الوقود وتدهور العملة يدرك تمامًا أن معركته الاقتصادية هي الوجه الآخر لمعركته العسكرية والسياسية، وأن النصر في هذه الجبهة هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الجنوب وازدهاره المستقبلي، بعيدًا عن سياسات التبعية والإفقار التي تُدار من غرف العمليات المعادية لتطلعاته الوطنية.