يحيى الفخراني.. الطبيب الذي عالج أرواح المشاهدين بصدق أدائه
يعد الفنان القدير الدكتور يحيى الفخراني، المولود في 7 أبريل 1945 بمحافظة الدقهلية، حالة استثنائية في تاريخ الفن العربي المعاصر. فهو ليس مجرد ممثل قدير، بل هو "طبيب تشخيصي" للشخصيات التي يجسدها، استطاع بذكائه الفطري ودراسته الأكاديمية للطب أن ينفذ إلى أغوار النفس البشرية ويقدمها في أبهى صورها على الشاشة والمسرح.
إن مسيرة الفخراني تمثل نموذجًا فريدًا للتحول من الهواية إلى الاحتراف، حيث بدأ مشواره كطالب متفوق في كلية الطب بجامعة عين شمس، لكن نداء الفن كان أقوى من سماعة الطبيب، ليمنح المكتبة الفنية العربية أرشيفًا يزخر بالروائع التي شكلت وجدان أجيال متعاقبة، وصولًا إلى تعيينه عضوًا في مجلس الشيوخ المصري عام 2020 تقديرًا لمكانته كقيمة وقامة وطنية وفنية كبرى.
البدايات الأكاديمية وصراع الطب والفن في حياة يحيى الفخراني
حصل يحيى الفخراني على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1971 من جامعة عين شمس، وخلال سنوات الدراسة، لم يكن طالبًا عاديًا، بل كان النجم الأبرز لفريق التمثيل بالجامعة، وحصد جائزة أحسن ممثل على مستوى الجامعات المصرية لسنوات متتالية.
عقب التخرج، مارس الفخراني مهنة الطب لفترة قصيرة كممارس عام في صندوق الخدمات الطبية بالتليفزيون المصري، وكان يخطط للتخصص في الأمراض النفسية والعصبية، وهو التخصص الذي يبدو أنه مارسه بالفعل لكن عبر تقمص الشخصيات الدرامية المعقدة. هذا الخلفية العلمية منحت الفخراني قدرة فائقة على تحليل الدوافع النفسية لأدواره، مما جعل أداءه يتسم بالصدق والعمق الذي يلامس عقول وقلوب المشاهدين، محولًا الفن من مجرد هواية جانبية إلى رسالة احترافية غيرت مجرى حياته ومسار الدراما المصرية.
قصة حب بدأت بخطأ مسرحي: زواج يحيى الفخراني والدكتورة لميس جابر
ترتبط حياة يحيى الفخراني الشخصية ارتباطًا وثيقًا بمسيرته المهنية، حيث بدأت قصة حبه لزوجته الدكتورة لميس جابر من فوق خشبة مسرح الجامعة. يحكي الفخراني أن خطأً فنيًا حدث أثناء عرض مسرحية لـ "برنارد شو"، مما أثاره ودفعه لترك المسرح غاضبًا، لولا تدخل زميلته لميس جابر التي حاصرت ثورته في الكواليس وأقنعته بالعودة لتحية الجمهور.
كانت هذه اللحظة هي الشرارة التي فجرت مشاعر الارتباط، لتصبح لميس شريكة الدرب، والزوجة، والصديقة، والسيناريست التي كتبت له بعضًا من أجمل أعماله. أثمر هذا الزواج المستقر عن ابنين هما شادي وطارق، وظلت لميس جابر هي الجندي المجهول والداعم الأول في مسيرة "الدكتور"، مقدمة نموذجًا للأسرة الفنية المثقفة التي تبتعد عن الأضواء الزائفة وتركز على القيمة الإبداعية الحقيقية.
أيقونة الدراما الرمضانية: من "سليم البدري" إلى "بهجت الأنصاري"
لا يمكن الحديث عن تاريخ الدراما المصرية دون التوقف طويلًا أمام محطات يحيى الفخراني التليفزيونية. فقد قدم الفخراني شخصية "سليم البدري" في ملحمة "ليالي الحلمية" التي أرخت للتحولات الاجتماعية في مصر، ثم أبهر الجمهور في "نصف ربيع الآخر"، و"زيزينيا"، وصولًا إلى روائعه في الألفية الجديدة مثل "الليل وآخره"، و"يتربى في عزو"، و"الخواجة عبد القادر". وفي عام 2024، أطل علينا بمسلسل "عتبات البهجة" ليثبت أن الإبداع لا يشيخ، وأن قدرته على التلون بين التراجيديا والكوميديا السوداء تزداد نضجًا مع السنين. إن أعمال الفخراني الدرامية تمتاز دائمًا بالاختيار الدقيق للنص، والتعاون مع كبار المخرجين والكتاب، مما جعل مسلسلاته طقسًا أساسيًا من طقوس الشهر الكريم وعلامة مسجلة للجودة الفنية.
يحيى الفخراني على خشبة المسرح: ليلة في حضرة "الملك لير"
يظل المسرح هو العشق الأول ليحيى الفخراني، والمكان الذي تتجلى فيه طاقته الإبداعية الكاملة. وتعتبر مسرحية "الملك لير" واحدة من أعظم ما قدم المسرح المصري في العقود الأخيرة، حيث جسد الفخراني شخصية الملك المأساوي ببراعة عالمية.
وفي ليلة لا تُنسى، شهد المسرح مشهدًا إنسانيًا وفنيًا رائعًا عندما صعدت الفنانة الكبيرة ليلى علوي لتحية الفخراني، حيث قامت بتقبيل يده تقديرًا لتاريخه وعطائه، ليرد هو الآخر بتقبيل يدها في مشهد جسد رقي العلاقة بين جيل العمالقة. وصفت ليلى علوي الفخراني بأنه "قيمة وقامة لا تتكرر"، مؤكدة أن الفن لا يزال بخير ما دام أن هناك مبدعين بقيمته، وهو ما يعكس التقدير الكبير الذي يحظى به الفخراني من زملائه في الوسط الفني ومن الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج.
البصمة الصوتية والتنوع الإبداعي في السينما والكارتون
لم يكتفِ يحيى الفخراني بالظهور بوجهه، بل كانت بصمته الصوتية حاضرة وقوية في وجدان الأطفال والكبار. فقد قدم الأداء الصوتي لشخصية "المأمور وودي" في النسخة المدبلجة من "حكاية لعبة"، كما أبدع في تقديم سلسلة قصص القرآن الكريم (الحيوان، الإنسان، النساء، وعجائب القصص) بأسلوب سردي ساحر جذب الملايين.
أما في السينما، فكان الفخراني بطلًا لأفلام غيرت وجه السينما الواقعية مثل "خرج ولم يعد" و"الكيف" و"إعدام ميت". هذا التنوع المذهل بين السينما، والدراما، والمسرح، والأداء الصوتي، والعمل السياسي كنائب بمجلس الشيوخ، يجعل من يحيى الفخراني شخصية موسوعية شاملة، استطاعت أن تخدم الوطن من زوايا متعددة، مكرسةً حياتها للارتقاء بالذوق العام وترسيخ قيم الفن الحقيقي الهادف.
يحيى الفخراني مدرسة الفن التي لا تغيب شمسها
يبقى الدكتور يحيى الفخراني رمزًا للإخلاص والتفاني في العمل، وفنانًا لم ينجرف يومًا وراء موجات الابتذال أو البحث عن الشهرة السهلة.
إن مسيرته التي امتدت لأكثر من خمسة عقود هي مدرسة ملهمة لكل فنان صاعد، تعلمهم أن الموهبة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالثقافة، والدراسة، والاحترام المتبادل مع الجمهور. يحيى الفخراني اليوم ليس مجرد ممثل، بل هو حارس لذاكرة الفن المصري، وشاهد على عصور ذهبية من الإبداع، وسيظل دائمًا "بهجت الأنصاري" الذي ينشر البهجة والفكر في كل عمل يقدمه، مؤكدًا أن الفن الحقيقي هو الذي يبقى ويقاوم النسيان، تمامًا كما بقي يحيى الفخراني ملكًا متوجًا على عرش القلوب.