إعلان 2 يناير 2026: خريطة طريق المجلس الانتقالي الجنوبي نحو الاستقلال الكامل
بثبات لا يلين وإرادة سياسية تقرأ معطيات الواقع الإقليمي والدولي بدقة، وجه اللواء عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، خطابًا مفصليًا لشعب الجنوب في الداخل والخارج بمناسبة الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي وتأسيس المجلس.
هذا الخطاب لم يكن مجرد استعراض لمنجزات تسعة أعوام، بل جاء بمثابة "وثيقة سياسية" شاملة تضع النقاط على الحروف في مرحلة هي الأكثر تعقيدًا في تاريخ الجنوب الحديث.
وبينما تشتعل المنطقة بالتحولات، اختار اللواء الزبيدي أن يعيد رسم الخطوط الحمراء، مؤكدًا أن زمن التجاوز لإرادة الشعب الجنوبي قد ولى، وأن مشروع استعادة الدولة المستقلة كاملة السيادة بات ضرورة استراتيجية لا تقبل المساومة أو الالتفاف، مستندًا إلى قوة الميدان وشرعية التفويض الشعبي.
الشرعية الشعبية: المرجعية العليا والرد على محاولات التفريخ
أكد اللواء الزبيدي في مستهل خطابه أن الرابع من مايو لم يكن لحظة عابرة، بل تفويضًا تاريخيًا حمل المجلس الانتقالي أمانة الدفاع عن تطلعات الجنوبيين.
وشدد اللواء على أن "الشرعية الحقيقية هي الشرعية الشعبية"، محذرًا من محاولات منظمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر "تفريغ" الساحة الجنوبية من تمثيلها الوطني الحقيقي واستبداله بكيانات "كرتونية" لا تعبر عن إرادة الناس.
وأوضح الزبيدي أن محاولات الزج بالجنوب في مسارات حوار غير جادة تهدف فقط إلى إدخال القضية في حالة من الشتات، وهو ما يرفضه المجلس الانتقالي جملة وتفصيلًا، مؤكدًا أن الشعب هو مصدر السلطة وهو من يمنح الشرعية للكيانات، في رسالة واضحة لكل القوى الإقليمية والدولية بأن أي تجاوز للمجلس الانتقالي هو تجاوز للشعب الجنوبي بأسره.
القوات المسلحة الجنوبية: صمام الأمان والشريك الدولي الموثوق
في محور استراتيجي هام، ثبّت اللواء الزبيدي معادلة "السلاح والسيادة"، معلنًا أن القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية هي "العمود الفقري" للمشروع الوطني الجنوبي. ووصف اللواء هذه القوات بأنها "خط أحمر" لن يُسمح بتدميرها أو تفكيكها تحت أي ظرف، لأنها الضمانة الوحيدة لأي حل سياسي عادل.
وأشار الزبيدي إلى الدور البطولي لهذه القوات في تطهير أبين وشبوة وحضرموت من بؤر الإرهاب، ناهيك عن دورها الاستراتيجي في حماية ممرات التجارة العالمية في باب المندب وتأمين إمدادات الطاقة، مما يجعلها شريكًا مؤتمنًا للإقليم والعالم. وأكد أن بناء الجيش الجنوبي ليس خيارًا سياسيًا مؤقتًا، بل ضرورة وطنية قائمة على العقيدة والانضباط لتمثيل الدولة الجنوبية المنشودة لا الجماعات أو الميليشيات.
مسار الحوار وإعلان 2 يناير 2026: الرؤية السياسية للمستقبل
رغم لغة القوة في حماية الأرض، جدد اللواء الزبيدي تمسك المجلس الانتقالي بمسار الحوار كوسيلة أساسية لمعالجة القضية الوطنية العادلة.
وأشار إلى أن هذا المسار يستند إلى "الإعلان السياسي" الصادر في الثاني من يناير 2026، والميثاق الوطني الجنوبي الموقع في مايو 2023.
وأوضح الزبيدي أن الحوار هو خيار استراتيجي للوصول إلى حل شامل يعبر عن تطلعات الشعب ولا ينتقص من حقوقه، مع رفض أي تسويات أو مخرجات لا تنبع من إرادة الجنوبيين أو تحاول فرض واقع قسري يشبه واقع ما بعد حرب 1994. ووجه نداءً مباشرًا للدول الفاعلة بضرورة الاستماع لصوت الشعب الجنوبي، محذرًا من أن استمرار التجاهل لن يقود إلا إلى مزيد من التعقيد في المشهد السياسي والأمني.
الجنوب والأمن القومي العربي: موقف حازم تجاه التهديدات الإيرانية
لم يخلُ خطاب اللواء الزبيدي من الأبعاد الإقليمية، حيث أعلن انحياز الجنوب الكامل للأمن القومي العربي. وأدان الزبيدي بشدة الهجمات العدائية التي نفذتها إيران واستهدفت دول الخليج والدول العربية الشقيقة، واصفًا إياها بأعمال مرفوضة تمس استقرار المنطقة وتسيء لسيادة الدول.
هذا الموقف يعكس رؤية المجلس الانتقالي للجنوب كجزء أصيل من المنظومة العربية، وحرصه على بناء علاقات استراتيجية مع الأشقاء في الخليج تقوم على الاحترام المتبادل والمصير المشترك. وأكد الزبيدي تضامن الجنوبيين مع أشقائهم في مواجهة أي تهديدات تمس أمنهم، داعيًا إلى تغليب منطق الاستقرار الدولي واحترام السيادة الوطنية للدول العربية.
الرهان على الوعي الشعبي والمقاومة السلمية
واختتم اللواء عيدروس الزبيدي خطابه بدعوة الشعب الجنوبي إلى أعلى درجات الوعي الوطني في هذه المرحلة المفصلية. وأكد أن خيار المواجهة مع أي إجراءات غير شرعية فُرضت بالقوة هو "المقاومة السلمية الواعية" المستندة إلى الحقوق الثابتة والوعي الشعبي، دون الانجرار إلى الفوضى أو الصراعات الجانبية التي تهدف لإضعاف الموقف الجنوبي.
وبعث بالتحية للأبطال المرابطين في جبهات الشرف والمدافعين عن هوية الجنوب، مؤكدًا أن الهدف النهائي يظل ثابتًا ولا يقبل المساومة: بناء الدولة الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة على حدود ما قبل 21 مايو 1990، وهو المشروع الذي قدم الجنوبيون من أجله آلاف الشهداء والجرحى، ولن يتراجعوا عنه مهما بلغت التحديات.