سيناريوهات الانفجار العسكري في الشرق الأوسط.. من حرب الاستنزاف إلى الصدام المباشر.
بينما كانت الدبلوماسية الدولية تحاول بصعوبة بالغة إيجاد موطئ قدم وسط الأزمات المتلاحقة، طغت أصوات المحركات الحربية فوق مياه الخليج لترسم ملامح مرحلة جديدة وخطيرة، حيث تبدو المنطقة اليوم "على بعد خطوة واحدة" فقط من انفجار عسكري شامل قد لا يبقي ولا يذر، وتشير كافة المؤشرات الميدانية المتنامية، بدءًا من التحركات المكوكية لحاملات الطائرات الأمريكية وصولًا إلى حالة الاستنفار القصوى التي أعلنتها القيادة العسكرية الإسرائيلية، إلى أن الهدنة الهشة التي صمدت لأشهر باتت الآن تحت رحمة قرار وشيك قد يصدر في أي لحظة من "المكتب البيضاوي" بالبيت الأبيض.
ويعكس هذا المشهد حالة من الترقب العالمي لما ستؤول إليه الأمور في ظل انسداد الأفق السياسي، حيث لم تعد لغة الحوار هي السائدة، بل أصبحت لغة القوة والتحشيد العسكري هي المحرك الأساسي للأحداث، وسط تحذيرات دولية من أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية وأمنية تمتد آثارها لتشمل خارطة الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الحيوية التي تمر عبر مضيق هرمز.
ترامب ومشروع الحرية.. هل دقت ساعة الصفر؟
لم يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكتفي بلغة العقوبات الاقتصادية التي ميزت فترات سابقة، بل انتقل إلى مرحلة التصعيد الكلامي والميداني المباشر، حيث جاءت تهديداته الأخيرة بأن إيران "ستُمحى من وجه الأرض" في حال مساسها بالسفن أو المصالح الأمريكية، لترفع سقف المواجهة من سياسة "الضغط الأقصى" إلى حالة "الاستعداد الكامل للحرب الشاملة".
ومع عبور حاملة الطائرات العملاقة "جورج بوش" مياه بحر العرب وهي تحمل على متنها أكثر من 60 طائرة مقاتلة من أحدث الطرازات، يبدو أن واشنطن قد وضعت "ساعة الصفر" رهن الجمود الدبلوماسي الحالي، وما تصفه الإدارة الأمريكية بـ "مشروع الحرية" الهادف لتأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، تراه طهران بوضوح "مشروع مواجهة" يستهدف سيادتها الإقليمية، وفي الساعات الأولى لإطلاق هذا المشروع، تصاعدت حدة التوتر بشكل دراماتيكي مع وقوع هجمات صاروخية غامضة في المنطقة، مما دفع البنتاغون للتلويح برد مدمّر يستهدف مراكز القيادة والسيطرة، وبينما يؤكد الجانب الإيراني أن تصعيده الحقيقي "لم يبدأ بعد"، ترد الأركان المشتركة الأمريكية بأن قواتها في حالة تأهب قصوى بانتظار الأوامر الرئاسية فقط.
الاستنفار الإسرائيلي ومعادلة "الحزمة الكاملة"
في تل أبيب، لا تبدو القيادة العسكرية والسياسية مستعدة للحرب فحسب، بل يرى مراقبون أنها "تتوق" للوصول إلى لحظة الحسم العسكري لإنهاء التهديدات الوجودية المحيطة بها، وقد وصل التنسيق الأمريكي الإسرائيلي في عهد ترامب إلى ذروة غير مسبوقة، تجلت في هبوط طائرات شحن عسكرية أمريكية ضخمة بشكل متواصل في القواعد الجوية الإسرائيلية حاملةً ذخائر ذكية ومعدات هجومية متطورة، وتجري حاليًا مشاورات مكثفة بين واشنطن وتل أبيب تهدف إلى فرض ما يسمى بمعادلة "الحزمة الكاملة"، والتي تسعى لتصفية البرنامج النووي الإيراني بشكل نهائي، وتحطيم القوة البالستية المتنامية، وإنهاء النفوذ الإقليمي في سوريا ولبنان بضربة واحدة منسقة، ويرى بنيامين نتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا داخلية هائلة وأزمات سياسية مركبة، أن عودة القتال وفتح جبهة مواجهة مع إيران قد يكون الوسيلة الوحيدة لـ "تفكيك أزمات إسرائيل الداخلية" وإعادة توحيد الصفوف تحت شعار الأمن القومي، مما يجعل خيار الضربة العسكرية المباغتة لمنصات الإطلاق الإيرانية أو منشآت الطاقة في قلب طهران خيارًا مطروحًا بقوة على طاولة البحث.
سيناريوهات الانزلاق نحو المواجهة المباشرة
يرى المحللون العسكريون أن "شعرة دقيقة" فقط هي ما تفصلنا الآن عن الانهيار الكامل للهدنة والدخول في نفق المواجهة المفتوحة، وتتأرجح السيناريوهات المطروحة حاليًا بين ثلاثة مسارات كارثية؛ المسار الأول يتمثل في "حرب استنزاف بحرية" طويلة المدى تتحول فجأة إلى مواجهة مباشرة بمجرد تعرض أي قطعة بحرية أمريكية لهجوم مؤثر، أما المسار الثاني فيتعلق بـ "ضربات جراحية خاطفة" تستهدف العمق الإيراني لكسر الإرادة العسكرية قبل اندلاع حرب إقليمية واسعة، وهو رهان محفوف بالمخاطر، بينما يتمثل المسار الثالث والأخطر في "الانزلاق الشامل".
حيث لا تتوقف المعارك عند الحدود الإيرانية، بل تمتد لتشمل كافة جبهات الوكلاء في لبنان وغزة واليمن، وصولًا إلى استهداف القواعد الأمريكية والمصالح النفطية في دول الخليج، وهذا السيناريو يعني بالضرورة دخول المنطقة في دوامة من العنف قد تستمر لسنوات، وتؤدي إلى تغييرات جيوسياسية جذرية في موازين القوى العالمية، خاصة مع دخول القوى الكبرى مثل روسيا والصين على خط الأزمة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في منطقة تعوم فوق بحيرة من النفط.
مستقبل المنطقة في ظل غياب الحلول السياسية
إن الاستنفار الحالي وما يرافقه من تحشيد عسكري غير مسبوق يشير إلى أن خيارات الحل السلمي تلاشت تمامًا أمام رغبة الأطراف في فرض إرادتها بالقوة، فواشنطن لم تعد تقبل بـ "إيران نووية" أو مهددة للملاحة، وطهران لم تعد قادرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تخنق نظامها.
وهذا الصدام الحتمي بين رغبتين متناقضين يجعل من الصعب تصور مخرج آمن للأزمة دون وقوع "شرارة" ما، وبناءً عليه، يظل العالم يراقب بحذر شديد تحركات حاملات الطائرات ومنصات الصواريخ، مع إدراك تام بأن قرار الحرب لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح مسألة توقيت وتقدير للموقف الميداني، وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يبقى المواطن في المنطقة هو المتضرر الأكبر من أي مواجهة عسكرية قادمة، حيث ستتأثر الأسواق والعملات والأمن الشخصي بشكل مباشر، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من قرارات مصيرية ستحدد ملامح الشرق الأوسط للعقد القادم، إما نحو تسوية تاريخية مفروضة بالقوة، أو نحو حريق إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.