< تفاهم أمريكي–إيراني مؤقت.. تهدئة في هرمز وتأجيل للملفات الكبرى
متن نيوز

تفاهم أمريكي–إيراني مؤقت.. تهدئة في هرمز وتأجيل للملفات الكبرى

متن نيوز

تشير الصيغة المسرّبة للتفاهم الجاري بين الولايات المتحدة وإيران إلى توجهٍ نحو “إدارة الأزمة” بدلًا من حسمها، عبر اتفاق محدود يركّز على وقف التصعيد العسكري وتأمين الملاحة في مضيق هرمز وفتح نافذة تفاوضية قصيرة، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وشبكات النفوذ الإقليمي.

وبحسب ما تسرّب من المعطيات الدبلوماسية، فإن المقاربة الأمريكية الجديدة تبدو أقرب إلى مذكرة تهدئة مرحلية منها إلى اتفاق استراتيجي شامل، وهي صيغة تمنح واشنطن قدرة على احتواء التوترات الآنية في الخليج دون الانخراط في تسوية كبرى قد تكون مكلفة سياسيًا وأمنيًا في هذه المرحلة.

ثلاث مراحل للتهدئة

وفق المعلومات المتداولة، يقوم المقترح على ثلاث مراحل متتالية:

  1. وقف العمليات العسكرية والتصعيد المتبادل، بما يشمل خفض مستوى الاحتكاك البحري والعسكري في الخليج.
  2. معالجة أزمة مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية ومنع استهداف السفن أو تعطيل خطوط الطاقة.
  3. فتح مفاوضات لمدة ثلاثين يومًا تتناول الملفات الأوسع، بما فيها البرنامج النووي الإيراني، والأنشطة الإقليمية، والترتيبات الأمنية المستقبلية.

وتشير هذه الصيغة إلى أن الأولوية الأمريكية الحالية تتمثل في منع انفجار إقليمي واسع قد يهدد أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل حساسية الممرات البحرية وارتباطها المباشر بإمدادات النفط والغاز.

هرمز في قلب التفاهم

يحمل إدراج مضيق هرمز في صدارة التفاهمات دلالة استراتيجية واضحة، فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية تحوّل خلال الأسابيع الأخيرة إلى نقطة ضغط متبادلة بين واشنطن وطهران.

وتحدثت تقارير عن قرار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف مؤقت لعملية “مشروع الحرية” الخاصة بمرافقة السفن في مضيق هرمز، في خطوة فسرتها أوساط سياسية باعتبارها إشارة لتهيئة المناخ أمام التفاهم المقترح.

كما نقلت وكالة رويترز أن واشنطن دفعت باتجاه مسار يبدأ بإنهاء المواجهة الحالية قبل الانتقال إلى معالجة التوتر البحري، ثم الدخول في مفاوضات قصيرة ومكثفة حول القضايا العالقة.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال هذا المسار إلى تحقيق استقرار سريع في أسواق الطاقة، وتفادي أي اضطراب قد ينعكس على أسعار النفط العالمية أو يهدد حركة التجارة الدولية.

تأجيل الملفات الشائكة

اللافت في الصيغة المسرّبة أنها تتجنب، في مرحلتها الأولى، الخوض في الملفات التي كانت تاريخيًا محور الصراع الأمريكي–الإيراني، وعلى رأسها:

  • البرنامج النووي الإيراني.
  • الصواريخ الباليستية.
  • دعم الجماعات المسلحة الحليفة لطهران في المنطقة.
  • النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

ويُفهم من ذلك أن واشنطن لا تراهن حاليًا على اتفاق شامل، بل على “تجميد مؤقت” للتوتر يسمح بإدارة الأولويات العاجلة، على أن يتم ترحيل القضايا الكبرى إلى جولات لاحقة قد تكون أكثر تعقيدًا.

وتقول مصادر دبلوماسية إن هذا النهج يعكس قناعة أمريكية بأن الوصول إلى تسوية شاملة في الظروف الحالية يبدو شبه مستحيل، بينما يمكن تحقيق اختراق محدود يضمن تهدئة مرحلية ويمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

إسرائيل خارج الترتيبات المباشرة

أحد أبرز ملامح التفاهم المقترح يتمثل في غياب إسرائيل عن آلية التنفيذ المباشر، رغم بقائها عنصرًا حاضرًا في الحسابات الأمنية والسياسية الأمريكية.

فالمسار المطروح صيغ أساسًا حول ثلاثية: وقف القتال، حماية الملاحة، وإطلاق مفاوضات قصيرة، وهي ملفات تتولاها واشنطن بصورة مباشرة مع طهران، دون إشراك إسرائيلي معلن.

لكن ذلك لا يعني استبعاد إسرائيل بالكامل، إذ تؤكد المصادر استمرار التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي عبر القنوات العسكرية والاستخباراتية والسياسية، خصوصًا فيما يتعلق بمراقبة أي تفاهمات تخص البرنامج النووي أو الأنشطة الإقليمية الإيرانية.

ويرى محللون أن واشنطن تحاول من خلال هذا الترتيب تقليل فرص تعقيد المفاوضات، خاصة أن أي حضور إسرائيلي مباشر قد يدفع طهران إلى التشدد أو الانسحاب من المسار التفاوضي.

مناورة أمريكية أم بداية مسار جديد؟

تباينت التقديرات بشأن طبيعة هذا التفاهم؛ فبينما يراه البعض محاولة أمريكية لشراء الوقت واحتواء التصعيد مؤقتًا، يعتبره آخرون بداية لمسار أوسع قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقة مع إيران وفق قواعد مختلفة.

ويعتقد مراقبون أن الإدارة الأمريكية الحالية تركّز على منع الانفجار الإقليمي أكثر من سعيها إلى فرض اتفاق شامل، خصوصًا في ظل تشابك الملفات الإقليمية وتعقيد البيئة الدولية.

كما أن واشنطن تدرك أن أي مواجهة واسعة في الخليج ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما يجعل “التهدئة المرحلية” خيارًا أكثر واقعية في الوقت الراهن.

طهران واستثمار لحظة الضغط

من جانبها، تبدو إيران مستفيدة من طبيعة التفاهم المقترح، لأنه يمنحها اعترافًا ضمنيًا بدورها الإقليمي وقدرتها على التأثير في أمن الملاحة والطاقة، دون أن تضطر إلى تقديم تنازلات فورية في ملفاتها الاستراتيجية الكبرى.

كما أن تأجيل النقاش حول البرنامج النووي والصواريخ يمنح طهران هامشًا إضافيًا للمناورة السياسية والتفاوضية، مع الاحتفاظ بأوراق الضغط الأساسية إلى جولات لاحقة.

وترى دوائر سياسية أن إيران تسعى إلى تحويل التوتر في هرمز إلى أداة تفاوضية تفرض من خلالها مقاربة “الأمن مقابل التهدئة”، مستفيدة من حاجة القوى الكبرى إلى استقرار الممرات البحرية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

رغم المؤشرات الإيجابية الأولية، لا تزال فرص نجاح التفاهم مرتبطة بعوامل عديدة، أبرزها:

  • مدى التزام الطرفين بخفض التصعيد.
  • قدرة واشنطن على ضبط حلفائها الإقليميين.
  • موقف إسرائيل من أي تفاهمات لا تتضمن قيودًا واضحة على البرنامج النووي الإيراني.
  • طبيعة الرد الإيراني في حال تعرضت مصالحها أو حلفاؤها لضغوط جديدة.

وفي حال صمدت المرحلة الأولى، فقد تشهد المنطقة جولة تفاوضية حساسة خلال الأسابيع المقبلة، لكن دون ضمانات حقيقية للوصول إلى اتفاق شامل.

أما إذا انهارت التهدئة سريعًا، فإن المنطقة قد تعود إلى مربع التصعيد البحري والعسكري، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على أمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية.