"حرب الـ 100 يوم".. نيران فوق بيروت وصواريخ في تل أبيب.. وترامب يبحث عن "مخرج اضطراري" في مضيق هرمز
تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع أدقّ موازين القوة والردع منذ اندلاع الحرب المباشرة في فبراير الماضي؛ فرغم إعلان واشنطن وتل أبيب وطهران عن "وقف مؤقت" لإطلاق النار، إلا أن الساعات الأخيرة أثبتت أن الاتفاق الشامل لا يزال بعيد المنال، وأن جبهات القتال قابلة للانفجار عند أي احتكاك.
جاء القصف المتبادل الأخير ليؤكد الهشاشة الشديدة للمشهد؛ إذ تسبب قصف "حزب الله" لشمال إسرائيل، ورد تل أبيب بضرب ضاحية بيروت الجنوبية، في دفع طهران لإطلاق صواريخ باليستية نحو قاعدة جوية إسرائيلية، لتشتعل الجبهة مجددًا قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضغوط مكثفة لمنع الرد الإسرائيلي وحماية مسار المفاوضات المتعثر في باكستان.
معادلة الردع الجديدة: "العين بالعين" تحت سقف اللاحرب
تحاول طهران فرض قاعدة اشتباك جديدة تُجبر واشنطن وتل أبيب على التفكير مليًا قبل أي تصعيد، وتتألف هذه المعادلة من ركيزتين:
ربط الجبهات: أثبت الرد الصاروخي الإيراني الأخير أن طهران لن تسمح بالاستفراد بـ "حزب الله" في لبنان، وأن أي استهداف لبيروت يعني ردًا مباشرًا من العمق الإيراني، وهو ما يُعقّد خطط إسرائيل العسكرية.
سلاح الممرات المائية: يمثل الإصرار الإيراني على فرض قيود حركة في مضيق هرمز، مقابل الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، أداة ضغط هائلة على الاقتصاد العالمي، حيث تتخوف الأسواق الدولية من قفزات غير مسبوقة في أسعار الوقود ونفقات الشحن.
السيناريوهات المتوقعة: جمود مفخخ أم صفقة قسرية؟
يتأرجح الشرق الأوسط حاليًا بين سيناريوهين؛ إما نجاح الوساطة الباكستانية-الصينية في تمديد الهدنة وتحويلها إلى اتفاق مرحلي مدته 60 يومًا لبحث الملف النووي، أو انهيار هذه الجهود تحت وطأة الصواريخ المتبادلة، مما يضع المنطقة أمام جولة جديدة من حرب الاستنزاف التي لا يبدو أن أحدًا يملك القدرة على حسمها عسكريًا بالكامل.
الخلافات حول شروط الاتفاق
تشير تسريبات إلى أن الخلافات حول شروط الاتفاق كانت السبب في تعثره، خصوصًا بعد طرح مقترحات تضمنت الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.
وقد أثارت هذه التسريبات غضب تيارات سياسية أمريكية متشددة تجاه إيران، حيث شبّه مايك بومبيو، وزير الخارجية الأسبق، الاتفاق المقترح بالاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه ترامب لاحقًا.
ورد البيت الأبيض بقوة على الانتقادات، حيث هاجم مدير الاتصالات ستيفن تشيونغ بومبيو بشكل حاد، ما عكس حجم الانقسام داخل الدائرة السياسية الأمريكية، ومع تصاعد الجدل، تراجع ترامب عن موقفه الأولي وقدم عرضًا أكثر تشددًا لطهران، الأمر الذي ساهم في تجميد المفاوضات.
حدود القوة العسكرية
حسب التقارير، تطالب إيران بالإفراج عن نحو 12 مليار دولار من أموالها المجمدة كشرط لإعادة فتح مضيق هرمز، إضافة إلى 12 مليار دولار أخرى خلال مرحلة التفاوض حول برنامجها النووي. لكن قبول هذه الشروط قد يُحرج ترامب سياسيًا، خاصة في ظل انتقاداته السابقة لسياسات مماثلة اتبعتها إدارة أوباما.
وفي خضم هذا الجمود، يواصل ترامب التمسك بخيار “الوضع القائم”، رافضًا التصعيد العسكري المباشر من جهة، وتقديم تنازلات كبيرة من جهة أخرى، في وقت تتزايد فيه المخاطر الإقليمية، وخصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط واحتمالات اضطراب الأسواق العالمية.
ويرى محللون أن الأزمة تكشف حدود القوة العسكرية في فرض نتائج سياسية حاسمة، إذ لا يكفي التفوق العسكري وحده لتحقيق أهداف استراتيجية، خاصة عندما تكون لدى الطرف الآخر قدرة أكبر على تحمل الخسائر وإطالة أمد الصراع.
سبب مباشر للحرب
في سياق متصل، ذكرت صحيفة الجارديان، أن عودة إيران إلى تبادل عسكري واسع النطاق مع إسرائيل قد وسّعت نطاق الصراع الذي بدأ في فبراير، إذ جعلت الهجمات الإسرائيلية على حزب الله بمثابة سبب مباشر للحرب بالنسبة لطهران للمرة الأولى، كما أدّت إلى إعادة إدخال الحوثيين في اليمن إلى ساحة المواجهة، مع عواقب لا تزال غير واضحة حتى الآن.
وبحسب التحليل، فإن بعض الدوائر داخل طهران، مدفوعة بما تعتبره نجاحات عسكرية سابقة وبقدرتها على التأثير عبر مضيق هرمز، ترغب في تحويل هذه المرحلة إلى نقطة اللاعودة في المواجهة مع إسرائيل، بينما يدفع تيار أقلية نحو التخلي عن مفاوضات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.