< بين الانصياع والمواجهة.. خريطة الانقسام العراقي بعد فتح ملف الفصائل المسلحة
متن نيوز

بين الانصياع والمواجهة.. خريطة الانقسام العراقي بعد فتح ملف الفصائل المسلحة

متن نيوز

تواجه الدولة العراقية المعاصرة واحدة من أعقد جبهات الاختبار السياسي والأمني منذ عام 2003، مع إعلان حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي وضع ملف "حصر السلاح بيد الدولة" وتفكيك النفوذ الموازي في مقدمة أولويات منهاجها الوزاري. هذا التحرك، الذي يصفه مراقبون بأنه محاولة جادة لتفكيك بنية "دولة الظل"، يضع البلاد على مفترق طرق حاسم بين ترسيخ مفهوم السيادة الوطنية أو الانزلاق مجددًا في دوامة التوازنات المسلحة.

جبهات المواجهة: خطة الزيدي الثلاثية

 

تتحرك الحكومة الحالية وفق استراتيجية معلنة تقوم على ثلاثة مسارات متوازية يسعى من خلالها الزيدي لإعادة رسم خارطة القوة داخل العاصمة بغداد:

 

    تجريد السلاح وإلغاء الارتباط: تشكيل لجان عسكرية رسمية بإشراف حكومي مباشر لعمليات جرد وتسليم السلاح، وفك ارتباط الفصائل المسلحة عن الأطر الحزبية والسياسية.

 

    تجفيف منابع التمويل: ملاحقة شبكات التمويل غير الرسمية وإصلاح المنظومة المالية لمنع استغلال موارد الدولة في تمويل الأنشطة الموازية.

 

    إبعاد شبكات النفوذ: إقصاء الشخصيات النافذة المرتبطة بـ "الدوائر العميقة" عن مفاصل الأجهزة الأمنية ومواقع القرار الحساسة.

 

الضغوط الإقليمية والدولية: الرهان والمحاذير

 

لا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن المناخ الدولي والإقليمي المعقد المحيط بالعراق. فرئيس الوزراء الزيدي يتحرك مدعومًا برغبة دولية وعربية واضحة؛ إذ تبدي واشنطن "ارتياحًا حذرًا" حيال خطواته عبر ممارسة ضغوط وعقوبات اقتصادية متتالية على شبكات تهريب النفط وقادة الفصائل لتقليص النفوذ الإيراني.

 

وفي المقابل، يسعى الزيدي لبناء شراكة خليجية موسعة (خاصة مع الرياض وأبوظبي) لترميم علاقات العراق العربية، لا سيما بعد التوترات الأخيرة المرتبطة بالهجمات بالطائرات المسيّرة، وهو ما جعل نجاح حكومته في ضبط السلاح شرطًا أساسيًا لتدفق الاستثمارات الخليجية الموعودة.

 

    معضلة الهيكل الموازي: يرى خبراء أمنيون أن التحدي الأكبر لا يكمن في إطلاق الوعود، بل في "بنيوية الفساد والنفوذ". فإذا تحولت الإجراءات الحالية إلى مجرد إعادة تموضع للفصائل بأسماء جديدة تحت لواء هيئة الحشد الشعبي دون دمج حقيقي وتفكيك لهياكل القيادة، فإن "دولة الظل" ستعيد إنتاج نفسها مجددًا.

 

السيناريوهات المستقبلية: هل تنتهي دولة الظل؟

 

يقف العراق اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:

 

    سيناريو العبور الآمن: نجاح الحكومة بالتعاون مع القضاء في تفكيك شبكات التمويل وحصر السلاح تدريجيًا، مستغلة حالة التراجع النسبي في النفوذ الإقليمي لبعض الأطراف عقب التغيرات الميدانية الأخيرة في المنطقة.

 

    سيناريو الصدام الشديد: أن يؤدي الإصرار الحكومي على تجفيف منابع "أقوى الفصائل" (مثل كتائب حزب الله والنجباء) إلى مواجهة سياسية أو أمنية مباشرة، تُدخل البلاد في نفق مظلم من عدم الاستقرار.

 

الأيام القادمة والوقائع الميدانية - لا البيانات الإعلامية - هي من سيحدد ما إذا كان الزيدي سينجح في حصر السلاح بيد الدولة، أم أنه سيتعثر في ذات الملف المعقد الذي تسبب في إرهاق الحكومات المتعاقبة طوال العقدين الماضيين.