< هندسة الـ 12 مليار دولار.. كيف حوّل ترامب أصول إيران المجمدة إلى "شريان حياة" للمزارع الأمريكي؟
متن نيوز

هندسة الـ 12 مليار دولار.. كيف حوّل ترامب أصول إيران المجمدة إلى "شريان حياة" للمزارع الأمريكي؟

متن نيوز

في واحدة من أكثر مفاجآت الدبلوماسية إثارة للجدل، ضجت المنصات الإخبارية بعنوان عريض يقول: "في خطوة مفاجئة.. ترامب يعلن شراء القمح والذرة من إيران". غير أن كواليس المفاوضات المعقدة المستمرة في سويسرا، وتدقيقات الخزانة الأمريكية، تكشف عن التباس لغوي غيّر اتجاه البوصلة بالكامل؛ فالحقيقة ليست أن واشنطن ستشتري الغذاء من طهران، بل إن إيران هي من ستشتري المحاصيل الأمريكية بأموالها المحتجزة، وتحت الرقابة المشددة للبيت الأبيض.

 

بين حاجة طهران لتأمين غذائها، ورغبة ترامب في إنعاش ناخبيه، نُفكك في هذا التقرير أبعاد صفقة "المقايضة الإنسانية" الكبرى.

تفكيك الصفقة: المال لإيران والشراء من أمريكا

حزمة ثانية

الآلية التي صاغها وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بموجب "اتفاق السلام المؤقت" الذي يمدد وقف إطلاق النار لـ 60 يومًا ويضمن تدفق النفط عبر مضيق هرمز، تعتمد على معادلة سياسية واقتصادية بالغة الدقة:

 

    الإفراج المشروط: تسمح واشنطن لطهران بالوصول إلى حزمة مالية أولى قيمتها 6 مليارات دولار من أموال النفط الإيراني المجمدة في الدوحة، على أن تتبعها حزمة ثانية مماثلة بناءً على مستوى الالتزام بالاتفاق.

 

    الرقابة اللصيقة: لن تتسلم الحكومة الإيرانية دولارًا واحدًا بصفة مباشرة؛ بل ستبقى الأموال في حسابات خاضعة للوصول والرقابة الأمريكية التامة في قطر.

 

    الوجهة الحصرية: تُخصص هذه المليارات حصريًا لشراء السلع الإنسانية (القمح، والذرة، وفول الصويا، والأدوية) من المزارعين ومربي الماشية الأمريكيين حصرًا، لتدخل كشاحنات إغاثة لداخل إيران.

 

حسابات الربح والخسارة: البروباغندا في مواجهة الواقع

 

يحاول كل طرف تسويق المشهد لجمهوره الداخلي من موقعه الخاص لإثبات صلابته السياسية:

1. ترامب والمزارع الأمريكي (الداخل أولًا)

 

نجح دونالد ترامب في تحويل التهدئة العسكرية مع إيران إلى مكسب اقتصادي فوري لقاعدته الانتخابية الصلبة (مزارعو الغرب الأوسط الأمريكي). فرض شرط الشراء من السوق الأمريكية يفتح نافذة تصديرية هائلة لمنتجات بلاده باستخدام أموال خصومه، مسوقًا الخطوة على أنها "مساعدات إنسانية لمنع مجاعة في إيران" وفي الوقت نفسه "تثري جيوب المزارع الأمريكي".

2. طهران والرفض الدبلوماسي (معركة السيادة)

 

الحديث الفارغ

في المقابل، قوبلت التصريحات الأمريكية برفض قاطع وحاد في العاصمة الإيرانية.

 

    موقف طهران: تصر الخارجية الإيرانية بقيادة إسماعيل بقائي، والبرلمان برئاسة محمد باقر قاليباف، على رفض الإملاءات الأمريكية؛ حيث أكدوا أن مشتريات إيران الزراعية يجب أن تخضع لمعايير السوق الحرة لا الشروط السياسية، واصفين الوعود الأمريكية بـ "الحديث الفارغ" الذي يسعى لتحويل أموال الشعب الإيراني إلى أداة لدعم الاقتصاد الزراعي الأمريكي.

 

تنازلات جيو-سياسية 

الولايات المتحدة لن تدفع سنتًا واحدًا من خزينتها، ولن تشتري محاصيل إيرانية. ما يحدث هو إعادة تدوير للأموال الإيرانية وضخها في قطاع الزراعة الأمريكي؛ مقابل انتزاع تنازلات جيو-سياسية واضحة في ملفات الملاحة والبرامج النووية. إنها تجسيد حي لـ "دبلوماسية المقايضة الذكية" التي يتقنها ترامب.