إنجازات استثنائية وإخفاقات مؤلمة.. قصة مشاركة العرب في كأس العالم 2026
أسدل الستار بشكل رسمي على رحلة المنتخبات العربية في نهائيات كأس العالم 2026 التي تستضيفها دول أمريكا الشمالية، حيث حملت هذه النسخة في طياتها مزيجًا من الإنجازات التاريخية المضيئة والإخفاقات التي تركت تساؤلات كثيرة لدى الجماهير العربية العريضة؛ إذ كان الوداع الأخير للمغرب من دور ربع النهائي أمام فرنسا بمثابة صدمة عاطفية للجماهير التي كانت تطمح لمواصلة الحلم، بعد مشوار بطولي أثبت فيه العرب قدرتهم على مجاراة المنتخبات العالمية.
لقد كانت مشاركة المنتخبات العربية تعبيرًا دقيقًا عن تفاوت مستويات التطور الكروي، حيث تباينت النتائج بشكل حاد بين الفرق التي قدمت أداءً مشرفًا وضعها في خانة الكبار، وبين تلك التي تعثرت مبكرًا وخرجت من الباب الضيق للمنافسة، وهو ما يدفعنا اليوم لقراءة هذه الأرقام وتحليل الأداء الفني لكل منتخب على حدة، لنفهم بوضوح ملامح المرحلة القادمة التي تحتاج إلى مراجعات فنية دقيقة لتقليص الفجوة مع المدارس الكروية العالمية المتقدمة.
تراجع النتائج: منتخبات العراق وتونس والأردن في مهب الريح
خيبت منتخبات العراق وتونس والأردن آمال وتطلعات جماهيرها خلال هذه البطولة، حيث عانت هذه المنتخبات من مشاكل دفاعية وهجومية واضحة أدت إلى توديع المونديال من دور المجموعات، فقد أنهى "أسود الرافدين" رحلتهم في المركز الأخير دون أي رصيد من النقاط، مع استقبال شباكهم لـ12 هدفًا مقابل هدف وحيد مسجل، وهو ما عكس خللًا هيكليًا في منظومة اللعب الجماعي يحتاج إلى إعادة نظر شاملة.
وفي الجانب الآخر، لم يكن حال "نسور قرطاج" و"النشامى" أفضل كثيرًا، حيث ودع المنتخب التونسي البطولة بعد ثلاث هزائم متتالية وفارق أهداف وصل إلى -10، بينما احتل المنتخب الأردني المركز 44 عالميًا ضمن ترتيب البطولة بعد خسارته لمباريات دور المجموعات، لتؤكد هذه النتائج أن مرحلة الإعداد الذهني والبدني لهذه المنتخبات لم تكن كافية لمواجهة تحديات كرة القدم الحديثة في هذا المحفل العالمي الكبير.
أداء السعودية والجزائر وقطر: طموحات اصطدمت بالواقع
لم تحقق منتخبات السعودية والجزائر وقطر النتائج المرجوة التي كانت تعول عليها جماهيرها، فعلى الرغم من وجود عناصر موهوبة في صفوف "الأخضر" السعودي، إلا أن الاكتفاء بنقطتين فقط من تعادلين أمام الأوروغواي والرأس الأخضر، مع هزيمة قاسية أمام إسبانيا، جعل مسيرة الفريق تتوقف عند محطات مبكرة دون القدرة على فرض السيطرة المطلوبة في المباريات الحاسمة أمام منتخبات ذات مدارس كروية متنوعة.
وعلى الجانب الآخر، تأهل "محاربو الصحراء" إلى دور الـ32 بعد أداء متذبذب في دور المجموعات، لكنهم اصطدموا بقوة المنتخب السويسري الذي أقصاهم من البطولة، بينما اكتفى المنتخب القطري "العنابي" بنقطة يتيمة أمام سويسرا، مما يعكس حاجة هذه المنتخبات الثلاثة إلى ثورة تصحيح فنية شاملة وتجديد في دماء اللاعبين، لضمان العودة للمنافسة بقوة في الاستحقاقات القارية والدولية القادمة بعيدًا عن أخطاء الماضي.
المجد العربي: إنجازات استثنائية للمغرب ومصر
حفظ منتخبا المغرب ومصر ماء وجه العرب في هذه النسخة، حيث قدم "أسود الأطلس" ملحمة كروية تاريخية وصلت بهم إلى ربع النهائي، متجاوزين عقبات كبيرة كمنتخب هولندا بركلات الترجيح وكندا بثلاثية نظيفة، مما جعلهم أيقونة كروية في البطولة، وقد أظهر اللاعبون المغاربة روحًا قتالية وتنظيمًا دفاعيًا وهجوميًا مذهلًا جعل العالم بأسره يتابع مبارياتهم باهتمام وشغف كبيرين.
ولا يقل أداء "الفراعنة" شأنًا، حيث أربك المنتخب المصري حسابات الأرجنتين، بطل العالم، في مباراة درامية بدور الـ16 لم تُحسم إلا في الدقائق العشر الأخيرة، بعد أن كان الفريق ندًا قويًا للنجوم العالميين طوال المباراة، لترحل هذه النسخة من المونديال وهي شاهدة على تطور كروي ملحوظ في هذين البلدين، ومؤكدة أن العرب قادرون على كتابة التاريخ إذا ما توفرت الإرادة والإدارة الفنية الاحترافية التي تستطيع التعامل مع الضغوط الكبيرة في الملاعب العالمية.
ختامًا، يمكن القول إن مونديال 2026 كان درسًا قاسيًا للبعض ومدرسة ملهمة للبعض الآخر، حيث أثبتت كرة القدم العربية أنها تمتلك الموهبة ولكنها تحتاج إلى المزيد من الاحترافية، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، والاستثمار في قواعد الناشئين، لتتحول المشاركات من مجرد "تمثيل مشرف" إلى منافسة حقيقية على منصات التتويج في النسخ القادمة من كأس العالم، وهو التحدي الأكبر الذي ينتظر الاتحادات الكروية العربية في السنوات الأربع المقبلة.