< «سيطرة استباقية».. هل تعيد إيران تصميم مدنها قبل «الاحتجاج الكبير»؟
متن نيوز

«سيطرة استباقية».. هل تعيد إيران تصميم مدنها قبل «الاحتجاج الكبير»؟

متن نيوز

 

في خطوة تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بإدارة المرور وتطوير الشوارع، بدأت السلطات في العاصمة الإيرانية طهران تغييرات في عدد من المناطق التاريخية، شملت إزالة أحجار الرصف واستبدالها بالإسفلت. لكن هذه الأعمال أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت المدينة تُعاد هندستها أيضًا لأسباب أمنية، بحيث تصبح أكثر ملاءمة لحركة قوات الأمن وأقل قابلية لتحول شوارعها إلى ساحات احتجاج. 
 

وتأتي هذه التحركات في وقت ترفع فيه السلطات الإيرانية مستوى استعدادها لمواجهة اضطرابات داخلية محتملة، بعد سنوات من الاحتجاجات الواسعة التي كشفت أهمية الجغرافيا الحضرية في قدرة المتظاهرين على التجمع وإغلاق الطرق وربط الأحياء والساحات ببعضها.

في المنطقة 12 وسط طهران، وبينها ساحة بهارستان وشارع 30 تير، أزيلت أجزاء من الأرصفة الحجرية والممرات المرصوفة واستُبدلت بالإسفلت.

وتقدم البلدية الإجراء باعتباره استجابة لمشكلات الازدحام وبطلب من شرطة المرور. إلا أن معماريين وباحثين في علم الاجتماع الحضري يرون أن للتغيير أثرًا أمنيًا واضحًا، إذ إن الشوارع المعبدة بالإسفلت والمتصلة بصورة أكبر تتيح حركة أسهل للمركبات والقوات الأمنية. 

وهنا تظهر الفكرة الأكثر إثارة للجدل: هل باتت السلطات الإيرانية تتعامل مع تصميم الشارع باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الداخلي؟

فالأرصفة والحواجز والأثاث الحضري يمكن أن تتحول، خلال الاحتجاجات، إلى عوائق أمام المركبات أو وسائل لإغلاق الطرق، بينما يقلل الشارع المفتوح من قدرة المحتجين على إقامة حواجز مؤقتة.

إيران تتعلم من احتجاجات 2009 و2022

ليست هذه المرة الأولى التي تدفع فيها الاحتجاجات السلطات الإيرانية إلى إعادة التفكير في السيطرة على المدن.

فخلال «الحركة الخضراء» عام 2009، لعبت شوارع وسط طهران وساحاتها دورًا محوريًا في تنظيم مسيرات ضخمة. وبعد ذلك، واجهت السلطات احتجاجات متكررة في 2019، ثم موجة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022.

وفي احتجاجات 2022، توسع استخدام السلطات للمراقبة الرقمية وكاميرات الشوارع والطائرات المسيّرة وتتبع وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع تقييد الوصول إلى الإنترنت. 

أما خلال احتجاجات 2025-2026، فقد لجأت السلطات مجددًا إلى تعطيل الاتصالات والإنترنت، وهو إجراء قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إنه يجب أن يتوقف، مطالبة بإعادة الاتصالات وإنهاء حملة القمع. 

لكن الجديد الآن، وفق التقارير، هو الانتقال من مراقبة الاحتجاج داخل المدينة إلى محاولة تهيئة المدينة نفسها قبل الاحتجاج.

الحي يتحول إلى وحدة أمنية، لا تقف الاستراتيجية عند الشوارع.

وتشير تقارير إيرانية إلى توجه نحو تعزيز مفهوم الأمن على مستوى الأحياء، مع إعطاء الباسيج والأجهزة المحلية دورًا أكبر في مراقبة النشاط داخل المناطق السكنية.

كما ارتبطت عودة حسين طائب إلى قيادة الباسيج بحديث عن تعزيز البنية الأمنية المحلية، وتحويل المساجد إلى نقاط ارتكاز أمنية ومراكز قيادة محتملة، بما يوسع شبكة الرصد من مستوى الأجهزة المركزية إلى مستوى الحي. 
 

وهكذا تتشكل منظومة متعددة الطبقات: شارع مفتوح يسهل تحرك القوات، أحياء أكثر مراقبة على المستوى المحلي، كاميرات وتقنيات للتعرف والرصد، شبكات بشرية مرتبطة بالباسيج، قدرة على قطع أو تقييد الاتصالات عند الضرورة، والهدف المحتمل هو تقليل الوقت بين اكتشاف الاحتجاج والتدخل ضده، مناورة ضخمة.. والرسالة إلى الداخل، يتزامن ذلك مع استعدادات أمنية واسعة.

ففي 23 أغسطس/آب، اجتمع قادة من الحرس الثوري والباسيج وقيادة إنفاذ القانون في محافظة طهران، وأُعلن عن مناورة للأمن الداخلي باسم «جان فدا»، بمشاركة معلنة تصل إلى 313 ألف عنصر. ووفق قراءة لمعهد دراسة الحرب، تحمل المناورة رسالة تتعلق بقدرة النظام على حشد قوة ضخمة في مواجهة التهديدات الداخلية. 

وبالتالي، فإن إعادة تشكيل بعض الشوارع والمناورة الأمنية الواسعة تبدوان جزءًا من الصورة نفسها: تهيئة المجال الذي ستتحرك فيه القوات، ثم تهيئة القوات نفسها للتعامل مع الاضطرابات.

لماذا تخشى طهران «الاحتجاج الكبير»؟

تملك القيادة الإيرانية أسبابًا عديدة للقلق من موجة احتجاج جديدة.

فالاحتجاجات الأخيرة لم تعد محصورة في قضية اجتماعية أو اقتصادية واحدة، وإنما يمكن أن تتداخل فيها الأزمة الاقتصادية، وتراجع قيمة العملة، والبطالة، والغضب السياسي، والعلاقة المتوترة بين المجتمع وأجهزة الدولة.

كما أثبتت الاحتجاجات السابقة أن انتشار المظاهرات من مدينة إلى أخرى يمكن أن يخلق تحديًا مختلفًا تمامًا عن الاحتجاج المحلي.

فكلما تمكن المحتجون من السيطرة على نقاط استراتيجية وربط مناطق مختلفة، يصبح نشر قوات الأمن أكثر تعقيدًا، ويزداد احتمال انتقال الاحتجاج من تجمعات محدودة إلى حركة وطنية.

المعركة على «الفضاء العام»

تكمن أهمية الإجراءات الجديدة في أنها تكشف فهمًا أمنيًا مختلفًا للمدينة.

فالفضاء العام ليس مجرد مكان تجري فيه الاحتجاجات؛ بل يمكن أن يكون عاملًا في نجاحها أو فشلها.

شارع ضيق ومزدحم ومليء بالعوائق يمكن أن يمنح المتظاهرين قدرة أكبر على الحركة وإبطاء القوات، بينما تسمح الطرق المفتوحة للقوات بالوصول بسرعة إلى نقاط التجمع.

وتشير أبحاث حول التحول التكنولوجي في منظومة القمع الإيرانية إلى أن السلطات تعمل أيضًا على الجمع بين المراقبة الرقمية وعزل مناطق الاحتجاج، بما يجعل تنظيم المظاهرات أصعب ويزيد قدرة الأجهزة على الاستجابة السريعة. 

ومن هنا، فإن «هندسة المدينة» ــ إذا كان البعد الأمني بالفعل أحد دوافعها ــ تصبح جزءًا من استراتيجية أوسع للسيطرة الاستباقية.

لكن هل يمكن إعادة تصميم الاحتجاج؟

رغم كل هذه الإجراءات، لا توجد ضمانة بأن إعادة تنظيم الشوارع أو توسيع المراقبة ستمنع اندلاع احتجاجات جديدة.

فالاحتجاجات الكبرى لا تعتمد على شارع واحد أو ساحة واحدة، ويمكن أن تظهر في مناطق مختلفة في وقت متزامن، كما أن التطور التكنولوجي يمنح السلطات أدوات جديدة، لكنه يمنح المحتجين أيضًا وسائل للاتصال والتنظيم وتبادل المعلومات.

كما أن الإفراط في الإجراءات الأمنية قد ينتج أثرًا عكسيًا، عبر زيادة شعور المواطنين بأن الدولة تتعامل معهم باعتبارهم تهديدًا أمنيًا.

وتظل تجربة السنوات الماضية دليلًا على أن القمع يمكن أن يخمد الاحتجاج مؤقتًا، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أشعلته.

«سيطرة استباقية» بدل انتظار الانفجار

المؤشرات الحالية، إذا جُمعت معًا، ترسم تحولًا من سياسة الاستجابة للاحتجاج بعد اندلاعه إلى محاولة الاستعداد له قبل وقوعه.

فالسلطات لا تعزز قواتها فقط، وإنما تطور أدوات المراقبة وتتحكم في الاتصالات وتعيد تنظيم انتشار الأمن على مستوى الأحياء، بينما قد تتغير في الوقت نفسه بعض خصائص البيئة العمرانية.

وهذه الاستراتيجية تفسر لماذا تبدو تفاصيل مثل إزالة أحجار الرصف وتحويلها إلى إسفلت أكبر من مجرد مشروع بلدي عادي، خصوصًا عندما تحدث بالتزامن مع تصعيد الاستعدادات الأمنية.

اختبار صعب أمام النظام

لكن يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع طهران منع «الاحتجاج الكبير» عبر السيطرة على المدينة قبل أن يبدأ؟

الإجابة ليست محسومة.

قد تجعل هذه الإجراءات مهمة الأجهزة الأمنية أسهل، وتحد من قدرة المحتجين على إقامة حواجز أو السيطرة على بعض المحاور. وقد تمنح السلطات وقتًا أطول للاستجابة للأحداث.

لكنها لا تستطيع إزالة أسباب الاحتجاج من جذورها.

فإذا اجتمعت أزمة اقتصادية عميقة مع غضب سياسي واسع وحدثت شرارة قادرة على توحيد قطاعات مختلفة من المجتمع، فقد يصبح التحكم في الشوارع أقل أهمية من القدرة على احتواء موجة شعبية واسعة.

وهنا تكمن المفارقة: إيران قد تعيد تصميم مدنها لتكون أكثر مقاومة للاحتجاج، لكن المدينة لا تصنع الاحتجاج وحدها؛ المجتمع هو الذي يصنعه.

ولهذا، فإن ما يجري في طهران قد يكون بداية نموذج جديد للأمن الداخلي الإيراني، حيث تصبح الأرصفة والكاميرات والإنترنت والحي والقوات عناصر في منظومة واحدة هدفها منع الاحتجاج من التحول إلى انتفاضة واسعة قبل أن يأخذ زخمه.