< واشنطن تضيق الخناق على طهران.. هل تتخلى الصين عن النفط الإيراني؟
متن نيوز

واشنطن تضيق الخناق على طهران.. هل تتخلى الصين عن النفط الإيراني؟

متن نيوز

تدخل المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية، بعدما وسعت واشنطن عقوباتها وبدأت تلوّح بمعاقبة الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران. وفي قلب هذه الاستراتيجية تقف الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، والتي أصبحت أمام معادلة صعبة: الحفاظ على مصدر نفطي رخيص وعلاقة استراتيجية مع طهران، أم تجنب الاصطدام بالعقوبات الأميركية.

وأعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الاثنين، حملة جديدة من العقوبات استهدفت قرابة 60 كيانًا وشخصًا وسفينة مرتبطة بإيران، مع تحذيرات بأن شركاء طهران التجاريين قد يواجهون إجراءات عقابية. لكن واشنطن لم تذهب حتى الآن إلى استهداف واسع للمؤسسات المالية الصينية الكبرى، في ما يبدو أنه محاولة لممارسة الضغط على بكين من دون تفجير مواجهة اقتصادية مباشرة معها. 
 

الصين.. شريان النفط الإيراني

تمثل السوق الصينية الرئة الرئيسية لصادرات النفط الإيرانية. فقد بلغ متوسط مشتريات الصين من النفط الإيراني نحو 1.4 مليون برميل يوميًا خلال العام الماضي، وفق بيانات شركة كبلر، ما يجعل بكين عاملًا حاسمًا في قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية. 

لكن تدفق النفط الإيراني إلى الصين تراجع بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة.

وبحسب بيانات حديثة، انخفضت الشحنات الإيرانية إلى الصين من نحو 823 ألف برميل يوميًا في يوليو إلى 534 ألفًا في أغسطس، بعدما كانت قد وصلت في وقت سابق من العام إلى مستويات تقارب 1.58 مليون برميل يوميًا. 

وهذا التراجع لا يعني أن الصين قررت التخلي عن النفط الإيراني، لكنه يكشف أن العقوبات والقيود على الشحن بدأت تجعل التجارة أكثر صعوبة وكلفة.

«مصافي الشاي» في مواجهة العقوبات

لا تشتري الشركات الصينية الكبرى النفط الإيراني بالطريقة نفسها التي كان يتم بها قبل إعادة فرض العقوبات الأميركية عام 2019.

فالمعاملات تعتمد بدرجة كبيرة على المصافي المستقلة الصينية، المعروفة باسم «تي بوت ريفاينرز»، والتي تستطيع تحمل مخاطر أكبر مقابل الحصول على النفط الإيراني بأسعار مخفضة.

وتستخدم التجارة شبكات معقدة من الوسطاء والسفن وشركات الشحن، كما يجري في بعض الحالات تغيير منشأ النفط على الأوراق، فيما تتم تسويات مالية باليوان بدلًا من الدولار، لتقليل التعرض للنظام المالي الأميركي. 

لكن واشنطن بدأت تضرب هذه الشبكات بصورة أكثر مباشرة، ومن بين الإجراءات الأخيرة استهداف شركات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في محاولة لرفع تكلفة استمرار المصافي الصينية في شراء الخام الإيراني.

لماذا لا تتخلى بكين بسهولة؟

رغم الضغط الأميركي، لا تبدو الصين مستعدة حاليًا للتخلي عن النفط الإيراني بصورة كاملة.

فالخام الإيراني يوفر للصين ميزة مهمة: السعر.

ومع العقوبات، يباع النفط الإيراني عادة بخصومات تعوض جزءًا من مخاطر النقل والتأمين والعقوبات. وبالنسبة إلى المصافي المستقلة، يمكن أن تكون هذه الخصومات عاملًا حاسمًا في الحفاظ على هوامش أرباحها.

إضافة إلى ذلك، تنظر بكين إلى العقوبات الأميركية الأحادية باعتبارها قضية سيادة ومبدأ، وليس مجرد مسألة نفطية. وقد أعلنت الصين أنها ستدافع عن علاقاتها التجارية مع إيران، مؤكدة أن تعاونها مع طهران يتم وفق القانون الدولي ولا ينبغي تعطيله بقرارات أميركية أحادية. 

لكن بكين بدأت تدفع الثمن

المشكلة بالنسبة إلى الصين هي أن الاستمرار في شراء النفط الإيراني لم يعد مجرد صفقة تجارية.

فالشركات التي تتعامل مع طهران قد تخاطر بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي، أو التعرض لعقوبات ثانوية، وهو ما يمكن أن يكون أكثر تكلفة بكثير من الأرباح الناتجة عن شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة.

وهذا يفسر اختلاف المواقف داخل السوق الصينية: فالشركات الحكومية الكبرى أكثر حذرًا، بينما تواصل المصافي الخاصة تحمل المخاطر.

وبحسب تقارير حديثة، فإن شركات التكرير الصينية المستقلة لا تزال تشتري النفط الإيراني، في حين تتجنب المصافي الحكومية إلى حد كبير الخام الإيراني منذ إعادة فرض العقوبات الأميركية. 

الحصار الأميركي يغير المعادلة

لم تعد المشكلة في العقوبات المالية وحدها.

فواشنطن أعادت في يوليو/تموز فرض حصار على السفن والموانئ الإيرانية، ما أدى إلى اختناق حركة صادرات النفط. وتشير بيانات تتبع السفن إلى عدم وجود عبور ظاهر لناقلات النفط الإيرانية العملاقة عبر مضيق هرمز منذ منتصف يوليو، رغم صعوبة التحقق الكامل بسبب قيام بعض السفن بإيقاف أجهزة التتبع. 

وأدى ذلك إلى تراجع المعروض الإيراني المتاح للمشترين الصينيين.

وفي 21 أغسطس، أفادت مصادر تجارية بأن عروض النفط الإيراني المتجهة إلى الصين لشحنات سبتمبر وأكتوبر تراجعت بشدة، بينما ارتفعت الأسعار، بعدما جرى بيع جزء كبير من الشحنات الموجودة بالفعل في البحر. كما بدأت بعض المصافي الصينية البحث عن بدائل من العراق والبرازيل. 
 

هل تستطيع الصين الاستغناء عن إيران؟

من الناحية النظرية، تستطيع الصين تنويع مصادرها.

فالسوق الصينية تستورد النفط من عشرات الدول، كما تمتلك بكين احتياطيات استراتيجية وتجارية ضخمة. وأظهرت الصين بالفعل قدرة على امتصاص صدمات كبيرة في إمدادات الطاقة خلال الحرب الحالية، مستفيدة من المخزونات وتراجع الطلب على الوقود وبعض التحولات في قطاع الطاقة. 
 

لكن استبدال النفط الإيراني بالكامل له تكلفة.

فالصين ستضطر إلى الحصول على خامات بديلة، غالبًا بأسعار مختلفة وبشروط نقل وتأمين أكثر تكلفة، بينما تخسر المصافي المستقلة الخصومات التي يوفرها الخام الإيراني.

لذلك، يبدو السيناريو الأقرب في المدى القصير هو تقليص المشتريات لا قطعها بالكامل.

واشنطن أمام معضلة الصين

المفارقة أن الضغط على الصين هو في الوقت نفسه أقوى ورقة تمتلكها واشنطن وأخطرها.

فإذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على المؤسسات الصينية الكبرى، فقد تنجح في خنق صادرات النفط الإيرانية بصورة أكبر، لكنها قد تدفع بكين إلى الرد، خصوصًا أن العلاقات الأميركية-الصينية تمر أصلًا بمرحلة حساسة.

وتدرك واشنطن أن استهداف أكبر اقتصاد آسيوي بسبب النفط الإيراني يمكن أن يحول المواجهة مع طهران إلى أزمة أميركية-صينية أوسع.

ولهذا يبدو أن إدارة ترامب تتحرك تدريجيًا، فتفرض العقوبات على شركات وكيانات أصغر وتترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الإجراءات، بدلًا من توجيه ضربة مباشرة إلى أكبر المؤسسات المالية الصينية. 
 

النفط الإيراني بين السياسة والاقتصاد

بالنسبة إلى طهران، استمرار الصين في شراء النفط يعني استمرار تدفق مصدر حيوي للعملة الصعبة، حتى لو انخفضت الكميات.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن وقف هذا التدفق هو أحد المفاتيح الأساسية لإضعاف قدرة إيران على تمويل الدولة والحرب وشبكاتها الإقليمية.

ولهذا تحاول الولايات المتحدة تحويل شراء النفط الإيراني من صفقة تجارية مربحة إلى مخاطرة استراتيجية.

وإذا نجحت واشنطن في رفع تكلفة التجارة إلى مستوى يتجاوز الخصومات التي تحصل عليها المصافي الصينية، فقد تبدأ بكين نفسها في تقليص مشترياتها دون الحاجة إلى قرار سياسي معلن بقطع العلاقات النفطية مع طهران.

هل تتخلى الصين عن إيران؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن الصين قررت التخلي عن النفط الإيراني بالكامل. بل على العكس، تؤكد بكين تمسكها بعلاقاتها الاقتصادية مع طهران، فيما تواصل المصافي المستقلة شراء الخام رغم الضغوط. 
 

لكن الواقع تغير: النفط الإيراني الذي كان يصل إلى الصين بكميات ضخمة وبخصومات كبيرة أصبح أكثر ندرة وأعلى كلفة وأكثر خطورة من الناحية القانونية واللوجستية.

وهنا قد يكون الهدف الأميركي الحقيقي ليس إجبار الصين على إعلان القطيعة، وإنما دفعها تدريجيًا إلى تقليص المشتريات إلى مستوى لا يكفي لإنقاذ الاقتصاد الإيراني من الضغوط.

معركة أطول من العقوبات

المواجهة الحالية لا تدور فقط حول النفط، وإنما حول مستقبل قدرة إيران على البقاء اقتصاديًا تحت الضغط.

إذا حافظت الصين على مستوى مرتفع من المشتريات، فستبقى لدى طهران نافذة مهمة للحصول على الإيرادات، حتى مع العقوبات الأميركية.

أما إذا تراجعت الصين بصورة كبيرة، فستفقد إيران أهم منفذ لنفطها، وقد تصبح العقوبات أكثر تأثيرًا على العملة والأسعار والإنفاق الحكومي.

لكن ثمن هذا السيناريو قد يكون مرتفعًا على واشنطن أيضًا، لأنه يضعها أمام اختبار حساس مع بكين.

وبذلك تتحول ناقلات النفط الإيرانية المتجهة شرقًا إلى أكثر من مجرد شحنات تجارية؛ إنها أصبحت مؤشرًا على حدود النفوذ الأميركي في مواجهة الصين، وعلى مدى قدرة طهران على الصمود اقتصاديًا.

والسؤال الحاسم الآن ليس ما إذا كانت الصين ستقطع النفط الإيراني غدًا، بل إلى أي مستوى تستطيع واشنطن دفع مشترياتها إلى الانخفاض قبل أن تختار بكين مواجهة العقوبات بدلًا من الامتثال لها.