ترامب: سندمر أي سفينة إيرانية تزرع الألغام في مضيق هرمز
رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستوى التهديد تجاه إيران، محذرًا من أن الولايات المتحدة ستدمر أي سفينة أو قارب إيراني يحاول زرع ألغام جديدة في مضيق هرمز، في وقت تقول فيه واشنطن إن قواتها أزالت الألغام الموجودة في المياه الدولية بالممر الاستراتيجي.
وجاء التحذير في 25 أغسطس/آب، بعدما أعلن ترامب أن القوات الأميركية أنهت عملية تطهير المياه الدولية في المضيق من الألغام، مؤكدًا أن أي محاولة جديدة لزرعها ستواجه بـ«التدمير الفوري»، في إطار سياسة وصفها بأنها «عدم تسامح مطلق».
ويفتح التصعيد الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في المواجهة الأميركية-الإيرانية، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على العقوبات والضغوط الاقتصادية، وإنما بات مرتبطًا بصورة مباشرة بحرية الملاحة واستخدام القوة العسكرية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
هرمز في قلب المواجهة
يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية لحركة الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي تهديد بإغلاقه أو تلغيم ممراته ينعكس سريعًا على أسواق النفط والشحن والتأمين.
وتشير بيانات حديثة إلى أن حركة شحنات النفط عبر المضيق تراجعت بصورة كبيرة خلال الحرب، من أكثر من 20 مليون برميل يوميًا قبل اندلاعها إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا في 24 أغسطس، وفق بيانات نقلتها رويترز عن شركة «فورتيكسا»، وبالنسبة إلى واشنطن، فإن ضمان بقاء الممر مفتوحًا لا يمثل قضية اقتصادية فقط، بل أصبح هدفًا عسكريًا مباشرًا.
من التهديد إلى استهداف سفن الألغام
تحذير ترامب الحالي ليس الأول من نوعه، ففي أبريل/نيسان، أصدر الرئيس الأميركي أوامر للبحرية باستهداف القوارب الإيرانية التي تزرع الألغام في المضيق، قائلًا إن القوات الأميركية لن تتردد في إطلاق النار عليها. وجاء ذلك بالتزامن مع عمليات كاسحة الألغام الأميركية الرامية إلى إعادة فتح الممر أمام الملاحة الدولية.
وفي مارس/آذار، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها دمرت سفن إيرانية مخصصة لزرع الألغام قرب المضيق، فيما قال ترامب لاحقًا إن القوات الأميركية دمرت عددًا من هذه السفن، وبذلك يبدو أن واشنطن انتقلت من التحذير من تلغيم المضيق إلى بناء قواعد اشتباك أكثر وضوحًا ضد أي محاولة جديدة لتعطيل الملاحة.
لماذا تخشى واشنطن الألغام؟
تكمن خطورة الألغام البحرية في قدرتها على تعطيل حركة السفن حتى من دون وجود قوة بحرية كبيرة.
فمجرد الاشتباه بوجود ألغام في ممر ملاحي ضيق يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو تعليق الرحلات، كما يرفع تكاليف التأمين ويجعل عمليات إزالة الألغام ضرورية قبل استعادة الحركة الطبيعية.
ولهذا، فإن زرع الألغام يمكن أن يحقق لإيران تأثيرًا يتجاوز حجم القوة المستخدمة في العملية نفسها.
كما أن عمليات البحث عن الألغام وإزالتها بطيئة بطبيعتها مقارنة بالعمليات العسكرية التقليدية، ما يجعلها وسيلة فعالة لإبطاء الملاحة وفرض كلفة على الخصم.
إيران أمام معادلة صعبة
تملك طهران أدوات متعددة للضغط في الخليج، لكن استخدامها للألغام يحمل مخاطر كبيرة.
فأي عملية تلغيم جديدة قد تمنح الولايات المتحدة ذريعة مباشرة لتوسيع الضربات ضد القطع البحرية الإيرانية والمنشآت المرتبطة بها.
وهذا ما يجعل تحذير ترامب بمثابة ردع مسبق: واشنطن تريد إقناع طهران بأن محاولة إغلاق المضيق لن تؤدي فقط إلى مواجهة مع كاسحات الألغام الأميركية، بل إلى استهداف مباشر للقوات التي تنفذ عملية التلغيم.
في المقابل، لا يعني ذلك أن إيران فقدت القدرة على تهديد الملاحة؛ فقد أكدت واشنطن نفسها أن طهران لا تزال قادرة على زعزعة طرق الملاحة وتهديد دول الخليج رغم الخسائر التي لحقت بقدراتها البحرية.
معركة السيطرة على المضيق
تحول مضيق هرمز إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة تريد إبقاء الممر مفتوحًا وتأمين حركة السفن، بينما تستطيع إيران استخدام موقعها الجغرافي وقدراتها البحرية والصاروخية لرفع كلفة الملاحة.
وفي هذا السياق، تبدو عمليات إزالة الألغام جزءًا من معركة أوسع للسيطرة على المجال البحري، وليس مجرد مهمة فنية.
إعلان ترامب أن المضيق أصبح خاليًا من الألغام يهدف أيضًا إلى طمأنة شركات الشحن والأسواق بأن واشنطن قادرة على إعادة تأمين الطريق، بينما يمثل التهديد بتدمير أي سفينة جديدة رسالة ردع لطهران.
النفط هو الرابح أو الخاسر الأكبر
أي تصعيد جديد في هرمز سيصل صداه سريعًا إلى أسواق الطاقة.
فالممر كان قبل الحرب قناة رئيسية لصادرات النفط والغاز العالمية، وأدى تراجع حركة الشحن بالفعل إلى اضطرابات في أسواق الطاقة.
وإذا عادت عمليات التلغيم، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، حتى لو لم يتم إغلاق المضيق رسميًا.
أما استمرار فتحه، فقد يوفر متنفسًا لأسواق الطاقة ويخفف الضغوط التي أحدثها الصراع خلال الأشهر الماضية.
واشنطن تريد فرض «خط أحمر»
الرسالة الأميركية تبدو واضحة: المضيق خط أحمر، وأي محاولة لتلغيمه ستُعامل باعتبارها عملًا عسكريًا يستوجب الرد المباشر.
لكن المشكلة تكمن في كيفية تطبيق هذا التهديد على أرض الواقع.
ففي بيئة بحرية مكتظة، قد يكون تحديد هوية القارب ونواياه بدقة مسألة معقدة، وأي ضربة أميركية خاطئة قد تؤدي إلى تصعيد واسع، خصوصًا إذا سقط قتلى إيرانيون أو تعرضت سفن مدنية للخطر.
كما أن وجود قوات وسفن من دول متعددة في المنطقة يزيد حساسية أي حادث بحري.
بين الردع وخطر الانفجار
يضع ترامب طهران أمام خيارين: الامتناع عن إعادة تلغيم المضيق، أو المخاطرة بمواجهة مباشرة مع القوات الأميركية.
لكن المشكلة أن الردع نفسه قد يتحول إلى عامل تصعيد إذا قررت إيران اختبار حدود التهديد الأميركي.
وفي ظل استمرار الحرب والضغوط الاقتصادية والعقوبات الجديدة على طهران، قد يصبح مضيق هرمز إحدى أكثر نقاط الاحتكاك خطورة بين الطرفين.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المسألة لم تعد تتعلق بمن يملك القدرة على إغلاق المضيق فحسب، وإنما بمن يستطيع فرض قواعد المرور فيه.
وبينما تقول واشنطن إن المياه الدولية باتت خالية من الألغام، تحذر من أن أي محاولة جديدة ستقابل بالتدمير، يبقى مضيق هرمز رهينة معادلة شديدة الحساسية: سفينة صغيرة تحمل ألغامًا قد تكون كافية لإشعال مواجهة كبيرة بين دولتين تخوضان بالفعل حربًا مفتوحة.