< القاهرة وبكين.. شراكة تاريخية تتجه إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي
متن نيوز

القاهرة وبكين.. شراكة تاريخية تتجه إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي

زيارة شي جين بينج
زيارة شي جين بينج إلى مصر

تتجه أنظار الأوساط السياسية والاقتصادية إلى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج المرتقبة إلى مصر، في ظل ما تشهده العلاقات المصرية الصينية من تطور متواصل على مختلف المستويات، وسط تأكيدات بأن الزيارة تمثل فرصة مهمة للارتقاء بالشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين وفتح مجالات جديدة للتعاون خلال المرحلة المقبلة.

وسلطت شبكة التليفزيون الصينية الدولية «سي جي تي إن» الضوء على قوة العلاقات بين مصر والصين، مشيرة إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة تحمل آفاقًا واسعة لتعزيز التعاون المشترك، خاصة في المجالات الاقتصادية والتنموية والتكنولوجية، إلى جانب الملفات المرتبطة بالتنمية المستدامة والطاقة والأمن الغذائي.

3 أولويات لتعزيز العلاقات المصرية الصينية

وأبرز التقرير الصيني ثلاث أولويات رئيسية يمكن أن تسهم في تطوير الشراكة بين البلدين خلال الفترة المقبلة، تتمثل الأولى في تعميق التعاون الإنمائي من خلال زيادة التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز سلاسل القيمة، إلى جانب التوسع في مجالات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والزراعة الذكية.

أما الأولوية الثانية فتتعلق بتعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به مصر، باعتبارها حلقة وصل مهمة بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بما يسمح بإنشاء منصات تصدير إقليمية وتحقيق قيمة اقتصادية مشتركة بين القاهرة وبكين.

وتتمثل الأولوية الثالثة في توسيع نطاق التعاون بين دول الجنوب العالمي، من خلال تبادل الخبرات في مجالات التمويل والتكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة النظيفة، بما يدعم توجهات التنمية في الدول النامية ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية

وأكد التقرير أن العلاقات المصرية الصينية تمتلك قاعدة تاريخية قوية، بعدما مر نحو سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي فترة شهدت انتقال التعاون من العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل العديد من المجالات.

وتعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر والصين إلى 30 مايو 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

ومع مرور السنوات، تطورت العلاقات بين البلدين بصورة تدريجية، وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، وهو ما فتح المجال أمام زيادة التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي.

ويؤكد هذا المسار أن العلاقات المصرية الصينية لم تعد قائمة على التعاون في مشروعات منفردة فقط، وإنما تحولت إلى شراكة ذات أبعاد متعددة ترتبط برؤية مشتركة بشأن التنمية والتعاون الدولي.

زيارة شي جين بينج إلى القاهرة

وتكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر أهمية خاصة، باعتبارها فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية في ظل المتغيرات الكبيرة التي يشهدها النظام الدولي، وفي مقدمتها صعود دور دول الجنوب العالمي، وتزايد الحاجة إلى تحقيق معدلات تنمية أكثر توازنًا، إلى جانب الدعوات لإقامة نظام دولي أكثر تمثيلًا للدول النامية.

وتأتي الزيارة في عام يحمل أهمية رمزية كبيرة بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، بالتزامن مع الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وكان الرئيسان الصيني والمصري قد تبادلا رسائل التهنئة بمناسبة مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، في خطوة عكست أهمية العلاقات التاريخية بين البلدين وحرص قيادتيهما على مواصلة تطويرها.

كما شهدت الفترة الماضية تأكيدات متكررة من المسؤولين في البلدين بشأن أهمية استمرار الاتصالات رفيعة المستوى وتعزيز التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.

الصين ومصر.. شراكة تتجاوز الاقتصاد

ويرى التقرير الصيني أن العلاقات بين القاهرة وبكين تجاوزت التعاون الاقتصادي التقليدي، لتشمل مجالات سياسية وتنموية وتكنولوجية متعددة.

وتسعى مصر إلى الاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات التصنيع ونقل التكنولوجيا والتحول الرقمي والطاقة الجديدة، في حين تمثل السوق المصرية والموقع الجغرافي لمصر عوامل جذب مهمة للاستثمارات الصينية.

وتبرز أهمية هذه الشراكة في ظل سعي القاهرة إلى توطين الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي وتعزيز القدرات التكنولوجية، إلى جانب تحويل مصر إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير.

وفي المقابل، تستفيد الشركات الصينية من الموقع الاستراتيجي لمصر وما يوفره من إمكانية الوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بوابة للاستثمارات الصينية

وتعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أبرز النماذج التي تعكس تطور التعاون الاقتصادي بين مصر والصين.

وتبرز منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا-السويس» باعتبارها منصة مهمة للاستثمارات والصناعات الصينية في مصر، حيث تحولت المنطقة تدريجيًا من مجرد منطقة جذب للاستثمارات إلى مركز صناعي ولوجيستي يرتبط بموقع مصر على طرق التجارة العالمية.

وتعمل شركات صينية في عدد من القطاعات المتنوعة داخل السوق المصرية، من بينها الصناعات النسيجية وألواح الطاقة الشمسية والكيماويات والسيارات والخدمات اللوجستية.

ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة التعاون الاقتصادي، من التركيز على مشروعات البنية التحتية إلى الاهتمام المتزايد بالتصنيع ونقل التكنولوجيا وزيادة الإنتاج الموجه إلى التصدير.

كما تسعى مصر إلى الاستفادة من هذه الاستثمارات في زيادة القيمة المضافة المحلية، وتوفير فرص العمل، وتطوير المهارات والخبرات الفنية، بما يخدم أهداف التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

مصر بوابة الصين إلى إفريقيا

ويحظى الموقع الجغرافي لمصر بأهمية كبيرة في العلاقات مع الصين، حيث تمثل القاهرة نقطة اتصال رئيسية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا والعالم العربي.

وتوفر قناة السويس والموانئ المصرية وشبكات النقل والبنية التحتية الحديثة فرصًا كبيرة أمام الشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الأفريقية.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعات الصينية الموجهة إلى الأسواق الخارجية، خاصة في ظل اتفاقيات التجارة والعلاقات الاقتصادية التي تربط القاهرة بعدد كبير من الدول الأفريقية والعربية.

وأكد مسؤولون مصريون في مناسبات مختلفة استعداد القاهرة للقيام بدور بوابة للاستثمارات الصينية إلى القارة الأفريقية، بما يحقق مصالح مشتركة بين البلدين.

استراتيجية جديدة للتعاون التنموي

وتتجه العلاقات المصرية الصينية كذلك إلى تعزيز التعاون في المجالات التنموية، حيث تشمل الاستراتيجية الأولى للتعاون الإنمائي بين البلدين للفترة من 2025 إلى 2029 عددًا من القطاعات المهمة.

وتتضمن مجالات التعاون الرعاية الصحية والاتصالات وتغير المناخ والتنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي، إلى جانب مجالات أخرى ترتبط بالتنمية المستدامة.

وتعكس هذه الاستراتيجية تحولًا في مفهوم الشراكة بين القاهرة وبكين، بحيث لا تقتصر النتائج على حجم الاستثمارات أو قيمة التجارة، وإنما تمتد إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير الكوادر البشرية وبناء القدرات وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري.

ويكتسب هذا الجانب أهمية كبيرة في ظل توجه مصر نحو تعزيز الاقتصاد الرقمي والتوسع في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة.

تنسيق مصري صيني في القضايا الدولية

ولا تقتصر العلاقات المصرية الصينية على الجوانب الاقتصادية والتنموية، إذ يتواصل التنسيق بين البلدين في عدد من الملفات الدولية والإقليمية.

وتتقارب القاهرة وبكين في العديد من القضايا المرتبطة بتغير المناخ والأمن الغذائي والمائي والتنمية المستدامة وإصلاح المؤسسات الدولية، إلى جانب دعم زيادة تمثيل الدول النامية في النظام الدولي.

كما تتعاون مصر والصين عبر عدد من الأطر والمنظمات الدولية والإقليمية، من بينها الأمم المتحدة ومنتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي.

ويعزز انضمام مصر إلى مجموعة بريكس في عام 2024 من فرص التنسيق مع الصين وبقية الدول الأعضاء في الملفات الاقتصادية والتنموية والمالية.

الجنوب العالمي وتعزيز التنمية

ويطرح التعاون المصري الصيني نموذجًا مهمًا لما يمكن أن تلعبه دول الجنوب العالمي في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع تصاعد التحديات المرتبطة بالطاقة والغذاء والمناخ وسلاسل الإمداد والتمويل.

ولا يعني توسيع التعاون بين دول الجنوب العالمي بالضرورة تشكيل تكتل موجه ضد أطراف أخرى، وإنما يمكن أن يمثل وسيلة لتعزيز التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات وتوسيع خيارات التنمية أمام الدول النامية.

وتتبنى السياسة المصرية توجهًا يقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وهو ما يجعل تطوير العلاقات مع الصين جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع خيارات التعاون الاقتصادي والسياسي.

مستقبل العلاقات بين القاهرة وبكين

وتفتح زيارة الرئيس الصيني إلى مصر الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل امتلاك القاهرة وبكين قاعدة تاريخية قوية ومستويات مرتفعة من التنسيق السياسي والاقتصادي.

ومن المتوقع أن تركز المرحلة المقبلة على تحويل العلاقات الاستراتيجية إلى مشروعات أكثر ارتباطًا بالتصنيع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي والأمن الغذائي، مع الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر في تعزيز حركة التجارة بين القارات.

وتشير التطورات المتتالية في العلاقات المصرية الصينية إلى أن الشراكة بين البلدين تتجه نحو مزيد من التكامل، خاصة مع زيادة الاهتمام بالتنمية المستدامة ونقل التكنولوجيا وتعزيز الاستثمارات وزيادة القدرات الإنتاجية.

وفي هذا السياق، تمثل زيارة الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الصينية، وفرصة لترجمة سنوات التعاون والثقة المتبادلة إلى مشروعات ومبادرات جديدة تخدم المصالح المشتركة.

كما يمكن أن تسهم الشراكة بين مصر والصين في تعزيز التعاون بين آسيا وإفريقيا والعالم العربي وأوروبا، مستفيدة من المكانة الجغرافية والاقتصادية التي تتمتع بها مصر، ومن القدرات الصناعية والتكنولوجية والاستثمارية التي تمتلكها الصين.

وبذلك، تبدو العلاقات المصرية الصينية أمام مرحلة جديدة تقوم على توسيع مجالات التعاون، وتعزيز التنمية، ودعم التصنيع ونقل التكنولوجيا، بما يجعل الشراكة بين القاهرة وبكين نموذجًا قابلًا للتطور في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد والنظام الدولي.