نتنياهو أمام معركة البقاء.. منافسون جدد وتحالفات متقلبة
تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر المقبل، في أول استحقاق انتخابي منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، وسط تحولات عميقة في المشهد السياسي وأولويات الناخبين. وتأتي الانتخابات بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، وفي ظل أزمات سياسية وأمنية واجتماعية قد تجعل تشكيل الحكومة المقبلة أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد الحزب الأكبر.
وتتركز المعركة على ملفات عدة، في مقدمتها أزمة نقص القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، والخلاف حول تجنيد اليهود الحريديم، والدعوات إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة. وفي المقابل، تراجعت قضية إقامة دولة فلسطينية في سلم أولويات الناخبين، مقارنة بالانتخابات السابقة، بفعل التحولات الأمنية التي فرضتها الحرب، وفق صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، الإثنين 31 أغسطس 2026.
نتنياهو أمام الاختبار الأصعب
يقود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حزب الليكود في الانتخابات، لكن الحزب يدخل السباق وسط تراجع ملحوظ في استطلاعات الرأي. وبعد حصوله على 32 مقعدًا في الكنيست الحالي، تشير استطلاعات حديثة إلى حصوله على نحو 22 مقعدًا، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بموقعه في رئاسة الحكومة.
ويرى أستاذ العلوم السياسية أوفر كينيج، الباحث في برنامج الإصلاح السياسي بمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، أن نتنياهو ربما لم يعد يخوض الانتخابات بهدف تحقيق انتصار كبير، وإنما لتجنب الخسارة. ويشير إلى أن دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تشكيل “حكومة وطنية واسعة” تعكس إدراكًا لصعوبة وضع الليكود في استطلاعات الرأي.
ولا يقتصر التحدي أمام نتنياهو على حجم الليكود، إذ سيكون عليه بعد الانتخابات جمع عدد كافٍ من الأحزاب لتشكيل ائتلاف يضمن له 61 مقعدًا على الأقل. ولذلك قد يصبح السؤال الأهم؛ هل يستطيع نتنياهو تشكيل حكومة برئاسته حتى إذا لم يكن الليكود الحزب الأكبر؟
أيزنكوت يتقدم
في معسكر المعارضة، برز رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت باعتباره أحد أبرز المنافسين لنتنياهو. وتشير الاستطلاعات إلى حصول حزبه “يشَر” على نحو 26 مقعدًا، متقدمًا على الليكود.
ويقدم أيزنكوت نفسه باعتباره مرشحًا وسطيًا، مستفيدًا من خلفيته العسكرية ومن صورته المرتبطة بالحرب وتداعياتها. كما يطرح تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، معتبرًا أن الحكومة تتحمل مسؤولية سياسية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
ويختلف موقفه من تجنيد الحريديم عن بعض أحزاب المعارضة، إذ يتبنى موقفًا أكثر مرونة، كما أبدى استعدادًا للجلوس مع حزب شاس، وهو ما قد يفتح أمامه خيارات أوسع في مفاوضات تشكيل الحكومة.
بينيت ولابيد في مواجهة نتنياهو
يخوض رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الانتخابات على رأس تحالف “بياحاد”، الذي يضم رئيس الوزراء السابق يائير لابيد في المرتبة الثانية على القائمة. ويصل الحزب في بعض الاستطلاعات إلى نحو 14 مقعدًا.
ويركز التحالف على تقديم بديل للحكومة الحالية، مع طرح أجندة داخلية تشمل خفض تكاليف المعيشة، وزيادة المنافسة الاقتصادية، وتحسين النقل، ومكافحة الجريمة، إلى جانب الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
لكن بينيت يتخذ موقفًا متشددًا من مشاركة الأحزاب الحريدية في الحكومة، ويرفض كذلك تشكيل ائتلاف مع الأحزاب العربية، وهو ما قد يحد من خياراته إذا احتاج إلى بناء ائتلاف واسع.
صعود “الديمقراطيين” وليبرمان
تشير الاستطلاعات إلى تحسن موقع حزب “الديمقراطيين” بقيادة يائير جولان، الذي قد يحصل على نحو 10 مقاعد، مقارنة بأربعة مقاعد كانت بحوزة حزب العمل تحت اسمه السابق.
ويتبنى الحزب موقفًا أكثر انفتاحًا تجاه التعاون مع الأحزاب العربية، إلى جانب الدعوة إلى التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر وإعادة النظر في عدد من سياسات الحكومة الحالية.
كما يستعيد أفيغدور ليبرمان وحزبه “إسرائيل بيتنا” حضورًا قويًا في المشهد، مع تقديرات بحصوله على نحو 10 مقاعد. ويتمسك الحزب بمواقف أمنية متشددة تجاه حماس وحزب الله وإيران، لكنه في الوقت نفسه يتبنى موقفًا صارمًا ضد إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية ويدعو إلى الفصل بين الدين والدولة.
“الكتلة الثالثة” قد تقلب الحسابات
إلى جانب معسكري الحكومة والمعارضة، ظهرت مجموعة من الأحزاب اليمينية الجديدة التي توصف بصورة غير رسمية بـ”الكتلة الثالثة”. ومن أبرزها “البيت الصهيوني-الاحتياط”، و”حزب الوحدة”، و”شعب إسرائيل”. وتسعى هذه الأحزاب إلى جذب الناخبين اليمينيين غير الراضين عن أحزاب حكومة نتنياهو، لكنها في الوقت نفسه لا تنتمي إلى معسكر المعارضة التقليدي. ويجمع بينها التركيز على الأمن والخدمة العسكرية الشاملة، وخصوصًا إنهاء إعفاء الحريديم من التجنيد.
وتحوم بعض هذه الأحزاب حول نسبة الحسم، ما يجعل مستقبلها بالغ الأهمية. وإذا تمكن اثنان منها على الأقل من دخول الكنيست، فقد تتحول إلى “بيضة القبان” في مفاوضات تشكيل الحكومة.
وتشير بعض الاستطلاعات إلى إمكانية حصول حزب “شعب إسرائيل” بقيادة العميد احتياط عوفر فينتر على نحو 5 مقاعد، وهو ما قد يهدد حزب الصهيونية الدينية ويدفعه إلى ما دون نسبة الحسم.
الأحزاب العربية.. حسابات المعقدة
تشارك عدة أحزاب عربية في الانتخابات، من بينها القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، وتحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والعربية للتغيير، إلى جانب حزب التجمع الوطني الديمقراطي.
وتدعو الأحزاب العربية إلى معالجة ارتفاع معدلات الجريمة في المجتمع العربي وتحقيق المساواة، كما تضع إزاحة نتنياهو وبن غفير عن الحكومة ضمن أهدافها السياسية. وتدعم هذه الأحزاب كذلك إقامة دولة فلسطينية، وفق صحيفة يديعوت أحرونوت.
لكن الخلافات بينها بشأن التحالفات الانتخابية والحكومية قد تؤثر في قدرتها على زيادة تمثيلها. كما أن تشكيل قائمة عربية مشتركة قد يزيد عدد المقاعد التي تحصل عليها، لكنه قد يعقد في المقابل حسابات تشكيل الحكومة لدى معسكر المعارضة.
الانتخابات قد لا تحسم مصير الحكومة
حسب قراءة المشهد الانتخابي، فإن المنافسة لا تدور فقط حول عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، وإنما حول قدرة كل معسكر على بناء ائتلاف مستقر بعد إعلان النتائج.
وتشير كثرة الأحزاب التي تتحرك قرب نسبة الحسم إلى إمكانية حدوث تغييرات كبيرة في توزيع المقاعد خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة. وقد يؤدي سقوط حزب صغير أو تجاوزه نسبة الحسم إلى انتقال عدة مقاعد بين المعسكرات، بما يغير فرص تشكيل الحكومة.
مفاوضات ما بعد الانتخابات والوصول للأغلبية
قد تكون مفاوضات ما بعد الانتخابات أهم من نتائج الانتخابات نفسها. فإذا لم يتمكن أي معسكر من الوصول إلى الأغلبية، فقد يجد نتنياهو نفسه أمام خيار تشكيل ائتلاف جديد بشروط صعبة، أو البقاء على رأس حكومة انتقالية، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.
وبين تراجع الليكود، وصعود أيزنكوت وبينيت، وعودة ليبرمان، وصعود أحزاب جديدة، تكتسب انتخابات أكتوبر طابعًا مختلفًا عن الاستحقاقات السابقة. فهي لا تمثل فقط اختبارًا لشعبية نتنياهو بعد سنوات الحرب، وإنما تصويتًا على شكل النظام السياسي الإسرائيلي واتجاهه في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر.