لا حل شاملًا دون الجنوب.. القضية الجنوبية أمام مرحلة مفصلية
أعادت التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن التأكيد على أن الجنوب لم يعد مجرد طرف في المشهد اليمني، بل أصبح أحد المكونات الرئيسية في المعادلة العسكرية والسياسية والأمنية، خصوصًا مع تصاعد الخطر الحوثي وامتداد تأثيره إلى خطوط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب.
ومع تجدد المواجهات خلال سبتمبر 2026، باتت التطورات الميدانية تفرض إعادة قراءة موقع القوات الجنوبية والقضية الجنوبية، في ظل استمرار التهديد الحوثي وتراجع فرص الاستقرار. وأكدت الأمم المتحدة في 15 سبتمبر 2026 أن القتال تصاعد على الساحل الغربي، مع تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب، بالتزامن مع اندلاع مواجهات على عدد من الجبهات اليمنية.
القوات الجنوبية.. حضور ميداني لا يمكن تجاهله
تُظهر سنوات الصراع أن القوات الجنوبية كانت طرفًا أساسيًا في المواجهات ضد الحوثيين داخل عدد من المحافظات الجنوبية والمناطق المحيطة بها، بالتوازي مع مواجهة تهديدات أمنية أخرى ظهرت في المحافظات الجنوبية.
وتشير الدراسات الدولية حول الصراع اليمني إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى المرتبطة به يمثلون أحد المكونات الرئيسية في المعسكر المناهض للحوثيين، إلى جانب قوى يمنية أخرى تختلف في رؤيتها السياسية ومطالبها تجاه مستقبل الدولة.
ومن منظور جنوبي، فإن هذه المعادلة تعني أن أي قراءة مستقبلية للصراع لا يمكن أن تتجاهل التضحيات التي قدمتها القوات الجنوبية، أو تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ساحة جغرافية للصراع، بينما يمتلك الجنوب قوى سياسية وعسكرية ومجتمعية لها حضور فعلي على الأرض.
الجنوب والقضية السياسية.. من الحضور العسكري إلى الاعتراف السياسي
لا ترتبط القضية الجنوبية بالبعد العسكري وحده، إذ تمتد إلى ملف سياسي أوسع يتعلق بمستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية يمنية مقبلة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أهمية المشاركة السياسية الشاملة في الملف اليمني، وقد أكدت في مسارها الخاص باليمن ضرورة إشراك مختلف المكونات، ومن بينها الحراك الجنوبي، في العملية السياسية.
وهنا تبرز أهمية أن يكون للجنوب حضور سياسي حقيقي في أي ترتيبات قادمة، بحيث لا تقتصر معالجة الأزمة على وقف إطلاق النار أو إعادة توزيع المواقع العسكرية، وإنما تشمل أيضًا بحث جذور القضية الجنوبية ومطالب الجنوبيين ومستقبل علاقتهم بمؤسسات الدولة.
الخطر الحوثي يعيد طرح أهمية الجبهة الجنوبية
التطورات الأخيرة على الساحل الغربي تفرض قراءة جديدة للمشهد الأمني في اليمن، بعدما أعلنت الأمم المتحدة أن الحوثيين واصلوا تقدمهم باتجاه باب المندب، وسط تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة الدولية.
كما أفادت تقارير حديثة بأن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي شمل السيطرة على مدينة المخا ومواقع وجزر استراتيجية، وهو ما يعكس اتساع نطاق التهديد العسكري والجغرافي.
وفي ظل هذه التطورات، يصبح أمن الجنوب ومناطقه الساحلية وممراته البحرية جزءًا من معادلة أمنية أوسع، خاصة أن أي اضطراب بالقرب من باب المندب يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الحدود اليمنية.
الجنوب دفع ثمنًا كبيرًا خلال سنوات الحرب
من أبرز القضايا التي يطرحها الخطاب الجنوبي أن الجنوب تحمل جزءًا كبيرًا من تبعات الحرب، سواء على المستوى العسكري أو الإنساني أو الاقتصادي، وأن أي تسوية تتجاهل هذا الواقع قد تواجه صعوبة في تحقيق استقرار مستدام.
وتؤكد الأمم المتحدة أن اليمن يعيش أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، مع توقع احتياج أكثر من 21 مليون شخص إلى المساعدات خلال عام 2026، بينما يعاني الاقتصاد من انكماش كبير منذ بداية الحرب.
وفي المحافظات الجنوبية، تظل قضايا الخدمات والأمن والاقتصاد وإدارة الموارد من الملفات التي ترتبط مباشرة بمستقبل الوضع السياسي، وهو ما يجعل معالجة القضية الجنوبية جزءًا من معالجة الأزمة اليمنية وليس ملفًا منفصلًا عنها.
لا يمكن اختزال الجنوب في معادلة عسكرية فقط
أحد أبرز التحديات أمام أي تسوية سياسية هو التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد قوة عسكرية يمكن إدماجها أو إعادة توزيعها، بينما تشير الوقائع السياسية إلى وجود مطالب وتصورات جنوبية تتعلق بشكل الدولة ومستقبل الجنوب.
وقد أكدت الأمم المتحدة مرارًا أن الحل المستدام في اليمن يحتاج إلى عملية سياسية يمنية شاملة، وأن الحوار هو الطريق إلى تسوية قابلة للاستمرار.
وبالتالي، فإن أي مسار سياسي جاد يحتاج إلى الاستماع إلى الأطراف الجنوبية ومناقشة رؤيتها بصورة مباشرة، بدل تأجيل الملف أو التعامل معه باعتباره قضية ثانوية يمكن حلها بعد انتهاء الحرب.
تضحيات الجنوب يجب أن تتحول إلى حضور سياسي
من وجهة النظر الجنوبية، فإن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في الحفاظ على المكاسب الميدانية، وإنما في تحويل الحضور العسكري والسياسي إلى تمثيل واضح داخل أي ترتيبات مستقبلية.
فالقوة الميدانية، مهما بلغت، تحتاج في النهاية إلى مسار سياسي يحمي مصالح السكان ويحدد شكل العلاقة بين المكونات اليمنية، خصوصًا أن التجربة السابقة أظهرت أن تجاهل الملفات السياسية الأساسية يمكن أن يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.
ولهذا، فإن القضية الجنوبية تحتاج إلى الانتقال من مرحلة رد الفعل على تطورات الحرب إلى طرح سياسي واضح حول مستقبل الجنوب، وحقوق أبنائه، وأمن مناطقه، وإدارة موارده، وشكل الدولة التي يمكن أن تحقق الاستقرار.
الجنوب أمام مرحلة مفصلية
التطورات العسكرية الحالية تجعل الجنوب أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ فتصاعد الخطر الحوثي، والاقتراب من مناطق استراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب، وعودة المواجهات إلى عدد من الجبهات، كلها عوامل تعيد تشكيل خريطة الصراع اليمني.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الأزمة الإنسانية والاقتصادية يؤكد أن الحل العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الصراع. ولذلك تظل القضية الجنوبية بحاجة إلى مسار سياسي واضح يضمن حضور الجنوبيين في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل اليمن.
الرسالة الجنوبية: لا استقرار من دون معالجة جذور القضية
تتمثل الخلاصة الأساسية من القراءة الجنوبية للمشهد في أن الاستقرار في اليمن يحتاج إلى التعامل مع الجنوب باعتباره طرفًا سياسيًا ومجتمعيًا وعسكريًا حاضرًا، وليس مجرد مساحة جغرافية ضمن خريطة الصراع.
ومع استمرار التهديد الحوثي وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، تصبح معالجة جذور الخلافات الداخلية جزءًا أساسيًا من أي مشروع لإنهاء الحرب. وقد شددت الأمم المتحدة في أحدث مواقفها على ضرورة وجود عملية سياسية يمنية شاملة تقود إلى تسوية مستدامة.
وبالنسبة للجنوب، فإن أي مستقبل سياسي مستقر يحتاج إلى الاعتراف بحجم تضحيات أبنائه، واحترام إرادتهم السياسية، وضمان مشاركتهم الفاعلة في تحديد شكل ومستقبل التسوية. فالقضية الجنوبية لم تعد ملفًا يمكن تأجيله، بل أصبحت واحدة من القضايا المركزية التي يجب أن تكون حاضرة على طاولة أي حل شامل للأزمة اليمنية.