أكثر من قرن من الاستثمار.. كيف استمرت ثروة نوبل في تمويل الجوائز؟
بحلول خريف كل عام، تتوجه أنظار العالم نحو العاصمة السويدية ستوكهولم لمتابعة إعلان أسماء الفائزين بجوائز نوبل، لكن خلف هذه القيمة المعنوية العالية تتوارى قصة مالية تكشف كيف تحول الشغف العلمي والإنساني إلى ملايين الدولارات التي تمنح سنويًا للعلماء والأدباء ودعاة السلام.
فالأموال التي يتسلمها الفائزون في أكتوبر (تشرين الأول) 2026 عن إنجازاتهم في الفيزياء، الكيمياء، الطب، الأدب والسلام، لا تقتطع من موازنة دولة، ولا تأتي عبر دعم حكومي مباشر، بل تغذيها آلية استثمارية تحافظ على وصية المخترع السويدي ألفريد نوبل، مخترع الديناميت 1867، مستمرة لأكثر من قرن وربع القرن.
جذور ثروة نوبل
عند وفاة ألفريد نوبل 1896، ترك ثروة قُدرت بـ33 مليون كرونة سويدية، جمعها من الاختراعات والمصانع والاستثمارات.
وكان نوبل مساهمًا في شركة "الإخوة نوبل لإنتاج النفط"، المعروفة باسم "برانوبل"، التي أسسها شقيقاه روبرت ولودفيغ في باكو، مركز صناعة النفط آنذاك.
وبعد وفاته، بيعت أسهمه في الشركة، ودخلت حصيلتها ضمن الأموال التي شكلت رأس مال مؤسسة نوبل، حيث نصت وصيته الموقعة 1895 على تحويل معظم ثروته إلى صندوق يُستثمر في أوراق مالية آمنة، على أن تُوزّع عوائده سنويًا على الفائزين بالجوائز الخمس التي حددها.
رحلة التأسيس.. نمو رأس المال عبر قرن
ولتأمين هذه الأموال، تطلّب الأمر بيع جميع ممتلكات نوبل واستثماراته في الخارج، وتسديد ضرائبها، ثم تحويل السيولة النقدية إلى السويد، وتبقى للصندوق رأس مال نهائي بلغ 31.5 مليون كرونة.
وفي عام 1900، دُشنت "مؤسسة نوبل" لتتولى إدارة هذه الأموال واستخدام عوائد الاستثمار في تمويل الجوائز وتغطية تكاليف لجان الاختيار والمنظومة الإدارية.
وفي عام 1901، مع أول دورة لجوائز نوبل، بلغت قيمة الجائزة 150،782 كرونة، بينما تصل قيمة الجائزة الكاملة في 2026 إلى 12 مليون كرونة (1.2 مليون دولار)، مدعومة بنمو رأس المال عبر أكثر من قرن من الاستثمار.
تنوع المحفظة الاستثمارية
لم يتوقف استثمار الأموال عند السندات والحسابات الآمنة ذات العائد المحدود، بل وسعت المؤسسة محفظتها بمرور الوقت. وكانت محفظة المؤسسة قد تعرضت لخسائر ملموسة خلال أزمات الأسواق، أبرزها انهيار شركات التكنولوجيا مطلع الألفية والأزمة المالية العالمية في 2008.
وأظهرت هذه الخسائر مخاطر التركيز على أصول بعينها، ما دفع المؤسسة إلى توسيع تنويع استثماراتها بين الأسهم والدخل الثابت والعقارات والاستثمارات البديلة، مع إدارة رأس المال بمنظور طويل الأجل يضمن استدامة تمويل الجوائز.
وبنهاية 2025، بلغت قيمة محفظة مؤسسة نوبل الاستثمارية 6.5 مليار كرونة (647 مليون دولار)، وتوزعت بين 56% في صناديق الأسهم، و22% في الاستثمارات البديلة، و13% في الدخل الثابت والنقد، و8% في العقارات والبنية التحتية.
آليات التمويل وتغطية النفقات
تعتمد المعادلة المالية لمؤسسة نوبل على استخدام عوائد الاستثمار لتمويل الجوائز وتكاليف التشغيل، مع إعادة احتجاز جزء من العوائد لحماية القيمة الحقيقية لرأس المال وضمان استمرار قدرته على توليد الأرباح.
وفي عام 2025، أنفقت مؤسسة نوبل 148.1 مليون كرونة (14.75 مليون دولار) على الجوائز وتعويضات لجان الاختيار وفعاليات "أسبوع نوبل" والإدارة، من بينها 55 مليون كرونة (5.48 مليون دولار) قيمة الجوائز نفسها.
وتعتمد المؤسسة في تمويل هذه التكاليف على عوائد استثمارات رأس المال، التي سجلت عائدًا بنحو 0.9% في 2025، مقارنة بـ 11.6% في 2024.
في المقابل، تُعد جائزة العلوم الاقتصادية استثناء، حيث أنشأها البنك المركزي السويدي 1968، ويتكفل البنك بتمويل قيمتها والتكاليف المرتبطة بها، ولذا لا تُدرج ضمن الجوائز الخمس الواردة في وصية نوبل الأصلية.