< كواليس الصراع على كرسي الرئاسة في أوكرانيا.. من يخلف زيلينسكي تحت ضغط واشنطن؟
متن نيوز

كواليس الصراع على كرسي الرئاسة في أوكرانيا.. من يخلف زيلينسكي تحت ضغط واشنطن؟

متن نيوز

في الوقت الذي تحفر فيه القذائف أخدودها في الجغرافيا الأوكرانية، تشتعل حرب أخرى، لا تقل ضراوة ولا أشد خفاءً، في كواليس القصر الرئاسي في كييف وعلى طاولات القرار في العواصم الغربية. لم يعد الحديث عن "مرحلة ما بعد زيلينسكي" مجرد تسريبات دبلوماسية أو تخمينات نخبوية، بل تحول إلى زلزال سياسي متكامل الأركان، بعد أن وضعت واشنطن – وعلى لسان الرئيس دونالد ترامب – مستقبل القيادة الأوكرانية في عين الارهصارات الدولية، مطالبةً بدم ديمقراطي جديد في بلد يقف أصلًا على حافة الهاوية العسكرية والاقتصادية.

 

هذا التقرير التحليلي يسبر أغوار الأزمة، ويغوص في تفاصيل الصراع الخفي على السلطة، مستعرضًا حظوط المرشحين الأربعة الذين تتنازع أسماؤهم بورصة الخلافة، في مشهد معقد تتداخل فيه عقيدة الحرب بذكاء التكنولوجيا وبصمات الاستخبارات.

أولًا: فتيل واشنطن.. شرارة التغيير في توقيت بالغ الحساسية

 

لم تأتِ دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئة لانتخاب رئيس أوكرانيا جديد من فراغ؛ بل جاءت تتويجًا لسلسلة من الصدامات المستترة والمعلنة مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وقد اشتعل فتيل الأزمة الأخيرة حين وجه زيلينسكي انتقادات لاذعة لاتفاق استراتيجي يتيح للولايات المتحدة الأمريكية الوصول الكامل إلى ملايين الأطنان من الديزل الروسي، وهو اتفاق جاء في توقيت تعاني فيه الأسواق العالمية من ارتفاع جنوني في أسعار الوقود، نتيجة حتمية للحرب الأمريكية المحتدمة مع إيران وإغلاق مضيق هرمز الحيوي.

 

هذا الموقف الأوكراني المستقل، الذي اعتبرته الإدارة الأمريكية تمردًا على الحسابات الاستراتيجية الكبرى لواشنطن، دفع ترامب إلى إعلان قناعته القاطعة بأن الوقت قد حان لتغيير رأس الهرم السياسي في كييف. في المقابل، لم يغلق زيلينسكي الباب نهائيًا، بل اشترط لتنظيم الانتخابات موافقة موسكو على "وقف شامل لإطلاق النار لمدة 60 يومًا"، وفقًا لما كشفت عنه مجلة "نيوزويك" الأمريكية، في مناورة سياسية تهدف إلى نقل كرة النار إلى الملعب الروسي، وإحراج الحلفاء الغربيين في آنٍ واحد.

ثانيًا: معضلة الدستور والشارع.. شرعية على المحك

 

تخوض أوكرانيا معركة قانونية واجتماعية طاحنة حول مفهوم "الشرعية" في زمن الحرب. فمن الناحية الدستورية، تحظر القوانين السارية جملة وتفصيلًا تنظيم أي انتخابات رئاسية في ظل حالة "الأحكام العرفية" المفروضة بلا انقطاع منذ اندلاع الحرب الروسية الشاملة في 24 فبراير 2022. وتصر القيادة في كييف على أن إجراء اقتراع وسط الهجمات الجوية والبرية المتواصلة يمثل انتحارًا أمنيًا ولوجستيًا مستحيلًا.

 

    تآكل المدة الدستورية: انتهت الولاية الرئاسية الأصلية لزيلينسكي رسميًا في مايو 2024، ورغم استمراره في ممارسة مهامه استنادًا إلى ضرورات الحرب، إلا أن الكرملين يستغل هذا الفراغ ببراعة للتشكيك القانوني في شرعيته. وتتطابق هذه الرواية مع هجمات ترامب المتكررة، الذي يتهم زيلينسكي بتعمد إطالة أمد الحرب واستخدامها كـ "مظلة" لتجنب الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

 

    مزاج الشارع المتقلب: على الصعيد الداخلي، كشفت أحدث استطلاعات الرأي التي أجراها "معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع" عن تحول جذري في وعي الناخب الأوكراني؛ إذ باتت أغلبية المشاركين ترفض ترشح زيلينسكي لولاية ثانية، مسجلةً ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الرفض مقارنة بأواخر عام 2025. ورغم هذا السخط المتنامي، أظهر الاستطلاع ذاته مفارقة لافتة تمثلت في معارضة 71% من الأوكرانيين لإجراء انتخابات في التوقيت الراهن خوفًا من تفتيت الجبهة الداخلية، بينما يلتزم زيلينسكي الصمت حيال مستقبله الانتخابي.

 

ثالثًا: بورصة الخلافة.. 4 فرسان يتنافسون على قيادة ما بعد الحرب

 

وسط هذا الضباب الكثيف، تبرز أربعة أسماء رئيسية في كواليس الصراع السياسي، يحمل كل منها رصيدًا مختلفًا، ومخاطر محتملة تعيد رسم خارطة الولاءات في البلاد:

1. فاليري زالوجني.. "الجنرال الصامت" والأوفر حظًا في وجدان الشعب

 

يحتل فاليري زالوجني، القائد السابق للقوات المسلحة الأوكرانية والسفير الحالي لدى المملكة المتحدة، صدارة المشهد كأبرز منافس محتمل لزيلينسكي. لقد نحت زالوجني شعبيته الجارفة من وحي صمود الجيش في المراحل الأولى المظلمة للحرب.

 

    لغة الأرقام: تشير بيانات مركز "ريتينج جروب" للأبحاث إلى تقارب وتصدر دائم بين زالوجني وزيلينسكي؛ إذ يحظى الرئيس بتأييد نحو 23% في نوايا التصويت، بينما يقف زالوجني عند عتبة تزيد عن خُمس الناخبين، متفوقًا بشكل كاسح في مؤشرات الثقة الشخصية التي بلغت 64% مقابل 53% لخصمه اللدود.

 

    التحديات: تحذر جيني ماذرز، المحاضرة البارزة في السياسة الدولية بجامعة أبيريستويث في ويلز، من أن إبعاد زالوجني إلى المنفى الدبلوماسي في لندن جعله يبتعد نسبيًا عن يوميات المعترك السياسي المحلي، وهو ما قد يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تحويل هيبته العسكرية إلى نفوذ حزبي راسخ على الأرض.

 

2. كيريلو بودانوف.. "رجل الظل" واستخبارات المستقبل

 

يطل كيريلو بودانوف، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية ورئيس مكتب زيلينسكي منذ مطلع عام 2026، كأحد أكثر الشخصيات غموضًا وتأثيرًا في مرحلة ما بعد الحرب.

 

    لغة الأرقام: بفضل هندسته للعمليات الاستخباراتية النوعية، انتزع بودانوف نسبة ثقة موازية لزيلينسكي تمامًا، مسجلًا 53% بين الأوكرانيين. لكنه في المقابل يعاني من ضعف حاد في قاعدته السياسية التقليدية، إذ لم تتجاوز نسبة من يبدون الاستعداد للتصويت له في جولة أولى افتراضية نحو 6.7%، ولم يفصح بعد عن طموحاته الرئاسية علنًا، مما يجعله رهنًا بقدرته على نقل رصيده الأمني الخفي إلى السطح الجماهيري.

 

3. ميخايلو فيدوروف.. "مهندس المسيّرات" وطموحات الجيل الجديد

 

يمثل ميخايلو فيدوروف، وزير الدفاع السابق والمهندس الرئيسي للثورة التكنولوجية وبرنامج الطائرات المسيّرة الأوكراني، الوجه التقدمي الشاب الذي يطمح لدخول السباق الرئاسي.

 

    لغة الأرقام: عاد فيدوروف إلى الواجهة السياسية بصدام مدوٍ إثر إقالته من منصبه في يوليو 2026 وسط عواصف من الخلافات العسكرية، ليعلن بعدها تحدي الخطاب الرسمي ويدعو لانتخابات فورية رغم الحرب. ونتيجة لذلك، يثق به 38% من المستطلعين، بينما يمنحه 7.6% أصواتهم الافتراضية.

 

    التحديات: ترى الأوساط الأكاديمية مثل جيني ماذرز أن تمرده الأخير قد ارتد عكسيًا عليه، موسومًا بطابع الطموح الشخصي والقفز فوق المصلحة الوطنية العليا في توقيت حرج، وهو ما قد يقوض حظوظه إذا تحول السباق إلى استفتاء على الوطنية الصرفة.

 

4. بيترو بوروشينكو.. "إرث الماضي" ومحاولة العودة الشاقة

 

يبقى الرئيس الأسبق بيترو بوروشينكو (2014-2019) ونائب المعارضة الحالي، رقمًا تحريكيًا في المعادلة، رغم أن حظوظه تبدو الأكثر تراجعًا.

 

    لغة الأرقام والتاريخ: يحمل بوروشينكو إرثًا ثقيلًا من السخط الشعبي الذي أطاح به في انتخابات 2019 لصالح زيلينسكي، متخمًا باتهامات الفساد وعجز إدارته عن كبح نفوذ الأوليغارشية. ولم تتوقف أزماته عند هذا الحد، بل واجه اتهامات خطيرة بالخيانة وتمويل الانفصاليين أواخر عام 2021 (وهو ما نفاه معتبرًا إياه تصفية سياسية)، لتتوج السلطات هذا المسار بفرضه عقوبات وتجميد أصوله في فبراير 2025 تحت لافتة "الأمن القومي".

 

    الخلاصة: على الرغم من تمسكه بأجندة غربية وأوروبية متشددة، ترى المحاضرة جيني ماذرز أن الشارع الأوكراني يميل لطي صفحة رجالات ما قبل الحرب، مفضلًا وجوهًا ولدت وترعرعت سياسيًا وميدانيًا في أتون النزاع الحالي.

 

رابعًا: الخاتمة.. أوكرانيا على مفترق الطرق

 

تتحكم في مستقبل الرئاسة الأوكرانية شبكة معقدة من المتغيرات المتشابكة التي تأبى الخضوع لمعادلة بسيطة؛ فالمعادلة تبدأ من خطوط التماس العسكرية في الشرق والجنوب، وتمر عبر مدى استجابة موسكو وواشنطن لتسويات وقف اطلاق النار، ولا تنتهي عند البوصلة الأمنية والقانونية لصناديق الاقتراع.

 

وبينما يتأرجح زيلينسكي بين شرعية تآكلت بفعل طال أمد الحرب وضغوط حليف أمريكي لا يرحم، وبين شارع يرفض الانتحار بالاقتراع تحت النار، تقف أوكرانيا أمام سؤال الوجود الأكبر: هل تنجح كييف في اجتياز نفق التسوية لتلتحق بالديمقراطية الآمنة، أم تبتلع أتون الحرب كل طموحات الخلافة، ليبقي المشهد معلقًا على صفيح ساخن لا يعلم مداه إلا الميدان؟