رسائل الانتقالي لمجلس الأمن: لا سلام شامل دون آلية أممية لتقرير مصير شعب الجنوب

مجلس الأمن
مجلس الأمن

أنهى وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في جنوب اليمن، برئاسة الممثل الخاص للشؤون الخارجية عمرو البيض، زيارة دبلوماسية مكثفة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، شملت لقاءات رفيعة المستوى في العاصمة واشنطن ومقر الأمم المتحدة في نيويورك. 

تأتي هذه الزيارة في توقيت استراتيجي حساس من عام 2026، حيث يسعى المجلس لتعزيز تموضعه الدولي وفرض قضية شعب الجنوب كلاعب رئيسي في أي تسوية سياسية قادمة. وقد عقد الوفد سلسلة لقاءات مع صناع السياسات في الكونغرس الأمريكي ومسؤولين في الإدارة، بالإضافة إلى مراكز أبحاث دولية، لتقديم صورة واقعية حول التحديات السياسية والعسكرية والأمنية التي تواجه الجنوب والملاحة الدولية في منطقة باب المندب.

التحذير من فراغ أمني ومخاطر الإرهاب

خلال اللقاءات التي جرت في واشنطن، قدم وفد المجلس الانتقالي إحاطات تفصيلية مدعومة بالأدلة حول الارتباط المباشر بين الحملات العسكرية والسياسية التي تستهدف إضعاف المجلس الانتقالي، وبين تدهور الوضع الأمني في الممر الملاحي الحيوي بالبحر الأحمر. 

وأكد البيان الصادر عن عمرو البيض أن إضعاف القوات الجنوبية أتاح للميليشيات الحوثية توسيع سيطرتها على السواحل، مما جعل تهديد الملاحة الدولية اليوم أكبر من أي وقت مضى منذ عام 2023. كما حذر الوفد من أن جهود مكافحة الإرهاب التي استمرت لسنوات "قد دُمرت"، مشيرًا إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بدأ بالفعل في ملء الفراغ الأمني الناتج عن استهداف المنظومة الأمنية الجنوبية.

وعي شعبي جنوبي يحطم رهانات الصراع

في سياق التحليل السياسي لهذه الزيارة، يبرز معطى أساسي يتمثل في "الوعي الشعبي الجنوبي" الذي أثبت في عام 2026 أنه أكثر نضجًا وصلابة من أي وقت مضى. فرغم محاولات بعض القوى الإقليمية والمحلية استنساخ مكونات كرتونية أو إذكاء صراعات جانبية، إلا أن الشارع الجنوبي أظهر وعيًا تامًا بحجم المؤامرات التي تستهدف إعادته إلى دوامة الصراعات السابقة التي عانى منها طويلًا. ويرى مراقبون أن هذا النضج الشعبي هو الركيزة التي يستند إليها المجلس الانتقالي في تحركاته الدولية، حيث لم يعد المواطن الجنوبي قابلًا للانخداع بمشاريع التبعية أو محاولات "تفريخ" المكونات التي تهدف إلى شرذمة القرار الجنوبي الموحد وإضعاف الجبهة الداخلية أمام القوى الطامعة.

ملف الانتهاكات وطاولة مجلس الأمن

لم تقتصر مباحثات الوفد على الجوانب العسكرية، بل وضعت انتهاكات الحكومة والجهات المعادية على طاولة مجلس الأمن الدولي. فقد تطرق الوفد إلى عمليات "القمع والقتل والاعتقال" التي طالت المحتجين الجنوبيين خلال الأشهر الماضية، مطالبًا بإجراء تحقيقات مستقلة لضمان المساءلة. وفي نيويورك، قدم الوفد إحاطة للدول الأعضاء في مجلس الأمن على هامش مشوات اليمن، استعرض خلالها تصاعد الأعمال العدائية من قبل الحوثيين والجماعات المتشددة، مؤكدًا أن تجاوز إرادة شعب الجنوب في مفاوضات الحل السياسي يتناقض مع مبدأ الشمولية ويقوض مصداقية العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، وهو ما يستدعي آلية أممية واضحة لتمكين الشعب من تحديد مستقبله السياسي ديمقراطيًا.

آفاق الحل واستعادة السيادة

تؤكد الرسائل التي بعث بها الانتقالي الجنوبي لمجلس الأمن، والتحركات في واشنطن، أن المجلس ماضٍ في انتزاع الاعتراف الدولي الكامل بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم بحدود ما قبل عام 1990. إن الرفض القاطع من قبل الشارع الجنوبي لأي حلول منقوصة أو العودة لتبعيات الماضي يشكل ضغطًا حقيقيًا على المجتمع الدولي لإعادة النظر في مقارباته للأزمة. ويظل الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي وقيادته هو الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق الجنوب نحو الفوضى التي يخطط لها المتربصون، ليبقى الجنوبيون هم أصحاب الكلمة الفصل في رسم خارطة مستقبلهم السياسي بعيدًا عن الوصاية والارتهان لمشاريع فشلت في تقديم أي نموذج للاستقرار.