استعادة الدولة بحدود 1990.. الهدف الثابت الذي يقود تحركات الانتقالي الخارجية
يشهد الملف اليمني تحولًا جذريًا في موازين القوى السياسية، حيث نجح المجلس الانتقالي الجنوبي في فرض حضوره بقوة كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية شاملة، من خلال صمود سياسي لافت أمام محاولات مستمرة من قِبل قوى سياسية كانت قد اختطفت القضية الجنوبية لسنوات طويلة، لقد انتقلت القضية الجنوبية بفضل هذا الصمود من مربع التهميش المتعمد إلى واجهة النقاشات الإقليمية والدولية، حيث بات صوت الجنوب مسموعًا في أروقة الأمم المتحدة ومراكز اتخاذ القرار العالمي.
ويأتي هذا النجاح في ظل محاولات بائسة من قوى قديمة لإعادة إنتاج نفسها مجددًا في المشهد الجنوبي، وهي القوى ذاتها التي أثبتت فشلها الذريع في إدارة المشهد سابقًا وتسببت في تفاقم الأزمات، إلا أن الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي والوضوح في الهدف والمشروع قطع الطريق أمام هذه المحاولات، مؤكدًا أن زمن الوصاية على إرادة شعب الجنوب قد ولى دون رجعة.
حراك دبلوماسي نشط في مراكز القرار
لم يكتفِ المجلس الانتقالي بتثبيت حضوره ميدانيًا وشعبيًا، بل انطلق في حراك دبلوماسي نشط وواسع النطاق شمل عواصم كبرى مثل واشنطن ونيويورك ولندن، وتهدف هذه التحركات إلى نقل صوت شعب الجنوب وتطلعاته المشروعة مباشرة إلى صناع السياسات الدولية، من خلال لقاءات واتصالات مكثفة مع سفراء وممثلي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وقد ساهمت هذه الدبلوماسية النشطة في تعزيز الاعتراف الدولي بعدالة القضية الجنوبية، وتفنيد الروايات المضللة التي حاولت تصوير الصراع كنزاع بسيط على السلطة، بل هو قضية شعب يسعى لاستعادة سيادته وهويته، إن التواجد الدائم لوفود الانتقالي في المحافل الدولية يعكس نضجًا سياسيًا وقدرة على بناء تحالفات استراتيجية تدعم تطلعات الجنوبيين في تقرير مصيرهم، بعيدًا عن صراعات القوى الشمالية التي أغرقت البلاد في الفوضى.
هدف واضح: استعادة الدولة بحدود ما قبل 1990
تؤكد قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في كافة خطاباتها وتحركاتها على قدرتها العالية في إدارة المرحلة الحالية بكل تعقيداتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، محددة هدفًا واضحًا وجليًا لا يقبل المساومة، وهو استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة وفق حدود ما قبل عام 1990، هذا المشروع الوطني لا يمثل مجرد شعار سياسي، بل هو استحقاق تاريخي وقانوني يستند إلى إرادة شعبية جارفة، ويرى مراقبون أن نجاح الانتقالي في تثبيت هذا الهدف كبند رئيسي على طاولة أي مفاوضات دولية هو انتصار سياسي بحد ذاته، حيث بات المجتمع الدولي يدرك أن الاستقرار في منطقة خليج عدن وباب المندب مرتبط بشكل وثيق بحل القضية الجنوبية حلًا عادلًا يرضي تطلعات شعبها، إن التمسك بحدود ما قبل الوحدة هو الضمانة الوحيدة لمنع إعادة إنتاج الأزمات التي نتجت عن صيف عام 1994، وحماية مكتسبات الجنوب من النهب والتبديد.
تحديات المرحلة وقدرة القيادة على المناورة
تواجه قيادة المجلس الانتقالي تحديات جسيمة، بدءًا من الحرب الاقتصادية وحرب الخدمات، وصولًا إلى المؤامرات التي تسعى لشيطنة القوات المسلحة الجنوبية، ومع ذلك، أثبت المجلس قدرة فائقة على المناورة السياسية والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، فمن خلال الانفتاح على كافة المكونات الجنوبية عبر "الميثاق الوطني الجنوبي"، نجح الانتقالي في خلق اصطفاف وطني واسع يرفض التبعية ويتمسك بالاستقلال، ويطرح الانتقالي نفسه اليوم كممثل رئيسي ومفوض من قِبل الشعب، مستندًا إلى شرعية الميدان وشرعية التفويض الشعبي، وهو ما يجعله الطرف الأقوى في معادلة السلام، فهل ينجح الانتقالي في تثبيت حضوره النهائي وانتزاع الاعتراف الكامل بالدولة الجنوبية؟ المؤشرات الميدانية والدبلوماسية تؤكد أن القطار قد وضع على السكة الصحيحة، وأن الوصول إلى الهدف بات أقرب من أي وقت مضى.
ختامًا، يمثل صمود المجلس الانتقالي السياسي أمام خاطفي القضية الجنوبية نموذجًا للإرادة الوطنية التي لا تلين، إن التحول من الحراك الشعبي إلى المؤسسية السياسية والدبلوماسية هو الانجاز الأكبر الذي حققه الجنوبيون في العقد الأخير.
ومع استمرار الضغوط والمحاولات الإقليمية لفرض تسويات منقوصة، يظل رهان الانتقالي على وعي شعبه وقوة قواته المسلحة هو الضمانة الحقيقية، إن العالم اليوم يراقب باهتمام كيف يدير الجنوبيون مناطقهم رغم شح الإمكانيات، مما يعزز الثقة في قدرة الدولة القادمة على أن تكون شريكًا فاعلًا في مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات المائية الدولية، إن تثبيت الحضور الجنوبي لم يعد مجرد احتمال، بل هو واقع يفرض نفسه على خارطة الشرق الأوسط الجديد.
