الثلاثاء 28 أبريل 2026
booked.net

من الزخم الثوري إلى المؤسسة القيادية.. كيف أعاد إعلان عدن التاريخي صياغة القرار الجنوبي؟

إعلان عدن التاريخي
إعلان عدن التاريخي

يعبر المجلس الانتقالي الجنوبي عن الحالة السياسية الأكثر نضجًا ومفصلية في تاريخ النضال التحرري الجنوبي المعاصر، حيث استطاع أن يحول الطاقات الثورية المشتتة إلى كيان سياسي منظم يمتلك الرؤية والأدوات اللازمة لتحقيق التطلعات الوطنية. 

لم يكن إعلان عدن التاريخي مجرد رد فعل عابر على سياسات التهميش أو الإقصاء التي عانى منها الجنوب لعقود طويلة، بل كان إعلانًا سياسيًا واستراتيجيًا عن ميلاد "المركزية السياسية والقيادية" التي افتقدها الجنوب منذ سنوات، محولًا الحراك الشعبي من زخم ثوري عاطفي في الساحات إلى مؤسسة سياسية وعسكرية متكاملة تمتلك الشرعية القانونية والشعبية لتمثيل تطلعات الشعب في كافة المحافل الدولية والإقليمية. هذا التحول النوعي جعل من المجلس الانتقالي الرقم الصعب في المعادلة السياسية، مؤكدًا أن زمن الوصاية على القرار الجنوبي قد ولى إلى غير رجعة، وأن إرادة الشعب هي المحرك الوحيد للمرحلة القادمة.

التفويض الشعبي والشرعية القيادية للرئيس الزبيدي

إن التفويض الشعبي الواسع الذي مُنح للقائد عيدروس قاسم الزُبيدي لم يكن مجرد صك سياسي عابر أو إجراء بروتوكولي، بل هو "بيعة وطنية" كبرى نابعة من إيمان الجماهير العميق بقدرته على قيادة السفينة الجنوبية وسط أمواج المؤامرات المتلاطمة والضغوطات السياسية المختلفة. 

هذا التفويض التاريخي جعل من اللواء الزُبيدي ومن خلفه المجلس الانتقالي المعبر الحقيقي والوحيد عن إرادة الجنوبيين في الداخل والخارج، حيث نجح المجلس ببراعة في نقل صوت الجنوب من رصيف الشارع وهتافات الساحات إلى طاولات صناعة القرار العالمي في عواصم التقرير الكبرى. وبفضل هذه القيادة الصلبة، أصبح العالم يدرك اليوم أن قضية الجنوب ليست مجرد نزاع محلي، بل هي قضية شعب يمتلك الحق في تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة على حدود ما قبل 21 مايو 1990.

ثوابت خارطة الطريق نحو استعادة الدولة الجنوبية

رسم المجلس الانتقالي الجنوبي خارطة طريق واضحة المعالم لا تقبل الالتفاف أو المداهنة، ترتكز في جوهرها على استعادة الدولة الجنوبية بحدودها الدولية المعترف بها تاريخيًا. 

هذا المسار الوطني يرتكز على عدة ثوابت راسخة، أولها الثبات على المبدأ عبر التأكيد القاطع على أن قضية الجنوب ليست قضية مطلبية أو حقوقية أو بحثًا عن وظائف ومكاسب آنية، بل هي قضية وطن وشعب ودولة استُهدفت بالاحتلال ومحاولات الطمس للهوية. كما اهتم المجلس بمحور بناء المؤسسات السيادية، من خلال العمل الدؤوب على تشكيل هيكل إداري وعسكري محترف، متمثلًا في القوات المسلحة الجنوبية، لتكون النواة الصلبة للدولة القادمة والقوة الضاربة التي تحمي المكتسبات الوطنية وتكافح الإرهاب وتؤمن الممرات الملاحية الدولية والحدود الوطنية من أي تهديدات خارجية.

التلاحم الوطني الجنوبي والميثاق التاريخي

يُضاف إلى مسار البناء المؤسسي محور التلاحم الوطني، الذي أولاه المجلس الانتقالي أهمية قصوى من خلال تعزيز وحدة الصف الجنوبي عبر الحوار الوطني الجنوبي والميثاق الوطني التاريخي. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان أن تكون الدولة الجنوبية القادمة دولة فيدرالية ديمقراطية لكل وبكل أبنائها، تقوم على الشراكة الوطنية الحقيقية والعدالة والمساواة، بعيدًا عن صراعات الماضي وإرهاصاته. إن محاولات إرباك المشهد الجنوبي أو ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية الممنهجة على شعب الجنوب لن تجدي نفعًا أمام جدار الصمود الأسطوري الذي شيده المجلس الانتقالي بحاضنته الشعبية. فالتراجع عن مسار الاستقلال ليس خيارًا مطروحًا على طاولة القيادة، ولا في وجدان الشعب الذي قدّم قوافل طويلة من الشهداء والجرحى في سبيل الوصول إلى هذا الهدف السامي.

الإصرار الجنوبي ورسائل القوة للقوى المتربصة

إن الإصرار الجنوبي اليوم، المدعوم بقوات عسكرية ضاربة وحاضنة شعبية صلبة تمتد من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، يوجه رسالة واضحة وصريحة لكل القوى المتربصة بأن قرار الجنوب أصبح بيد أبنائه وحدهم. وأي محاولة لتجاوز تطلعات هذا الشعب أو القفز على تضحياته ستتحطم لا محالة على صخرة إرادته الحرة وتلاحمه المصيري. ويظل المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزُبيدي، هو الحارس الأمين للمشروع الوطني التحرري، والضمانة السياسية الوحيدة التي تمضي بالجنوب نحو فجر الاستقلال بخطى ثابتة وصلابة لا تلين. إن العزيمة التي يمتلكها المجلس والشعب لا تعرف المستحيل، وسيستمر النضال الدبلوماسي والعسكري جنبًا إلى جنب حتى يرفرف علم الجنوب فوق كل شبر من أرضه الطاهرة، معلنًا ميلاد فجر جديد من الحرية والكرامة والسيادة المستقلة.