الثلاثاء 16 يونيو 2026
booked.net

في ذكرى ميلاده الـ 100: نستعرض مسيرة الفنان سعد عبد الوهاب صاحب "الدنيا ريشة في هواء"

سعد عبد الوهاب
سعد عبد الوهاب

تحل اليوم الثلاثاء السادس عشر من يونيو لعام 2026، الذكرى المئوية لميلاد الفنان الراحل سعد عبد الوهاب، أحد أبرز الوجوه التي أثرت المشهد الفني المصري والعربي بصوتها العذب وحضورها الطاغي في خمسينيات القرن الماضي.

وُلد سعد حسن عبد الوهاب في مثل هذا اليوم من عام 1926، ليخط مسارًا فنيًا متميزًا بدأه من رحاب الإذاعة المصرية وانتهى به محققًا إنجازات وطنية خالدة، مخلفًا وراءه إرثًا فنيًا يحمل بصمات الرقي والطرب الأصيل.

البدايات المهنية: من كلية الزراعة إلى استوديوهات الإذاعة

تخرج الفنان الراحل في كلية الزراعة بجامعة القاهرة عام 1949، وهي الخطوة العلمية التي سبقت دخوله عالم الفن من بابه الواسع عبر العمل الإذاعي.

قضى سعد خمس سنوات متواصلة مذيعًا في الإذاعة المصرية، حيث صقلت تلك الفترة شخصيته الفنية ومنحته قدرة كبيرة على الأداء اللغوي السليم، قبل أن يقرر خوض غمار التحدي في الغناء والتمثيل السينمائي.

التألق السينمائي والاكتشاف الفني

قدم المخرج الكبير حسين فوزي الفنان سعد عبد الوهاب إلى الجمهور السينمائي من خلال فيلم "العيش والملح" عام 1949، والذي شاركته بطولته الفنانة الاستعراضية نعيمة عاكف.

حققت تلك الانطلاقة نجاحًا لافتًا، مما شجعه على مواصلة المسيرة وتقديم سبعة أفلام سينمائية حملت في طياتها أغاني لا تزال تُردد حتى يومنا هذا، وكان آخرها فيلم "علموني الحب" عام 1957.

أعمال موسيقية خالدة في ذاكرة الوجدان العربي

تميز سعد عبد الوهاب بتقديم أعمال غنائية فريدة جمعت بين الطرب التقليدي والروح الحديثة، ومن أبرزها أغنيته الشهيرة "الدنيا ريشة في هواء" التي لا تزال تعد من أيقونات الغناء العربي.

كما قدم مجموعة من الروائع الموسيقية مثل "القلب القاسي"، و"جنة أحلامي"، و"على فين وخداني عنيك"، التي أثبتت جدارته كصوت متميز لا يقل قيمة عن عمالقة عصره.

البصمة الوطنية: النشيد الوطني للإمارات

تجاوزت إسهامات سعد عبد الوهاب الحدود المصرية، حيث عمل مستشارًا للأغنية الوطنية في إذاعة الإمارات بعد فترة طويلة من الابتعاد عن الأضواء والسينما المصرية.

سُجل التاريخ اسمه بحروف من نور كملحن للنشيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث قام بأدائه بصوته القوي الشجي عند تأسيس الاتحاد في عام 1971، ليكون بذلك جزءًا من ذاكرة الدولة الفتية.

التنوع في الموهبة والاعتزال الهادئ

جمع سعد عبد الوهاب في شخصيته الفنية مزيجًا من المذيع المثقف، والمطرب صاحب الحنجرة الذهبية، والملحن الوطني الذي أدرك قيمة الرسالة الفنية خارج حدود بلده الأم.

بعد سنوات من العطاء، اختار الفنان الراحل الابتعاد عن صخب الشهرة في وقت مبكر نسبيًا، مفضلًا الاستقرار في مسيرته الإدارية والفنية بدولة الإمارات حتى وافته المنية في 23 نوفمبر 2004 عن عمر يناهز 78 عامًا.

أثر سعد عبد الوهاب في الفن المصري المعاصر

يُجمع النقاد على أن سعد عبد الوهاب كان يحمل في صوته نبرة خاصة تشبه في رقيها وعذوبتها مدرسة عمه موسيقار الأجيال، لكنه استطاع أن يخلق لنفسه طابعًا فريدًا ومستقلًا.

ستظل أعماله التي قدمها خلال العقد الخمسيني من القرن الماضي دليلًا حيًا على فترة ذهبية من تاريخ الفن المصري، حينما كان السينما والغناء يتحدان لتقديم حالة من البهجة والشجن الراقي.

عاش الفنان سعد عبد الوهاب جزءًا كبيرًا من حياته المهنية خلال فترة الخمسينيات، وهي الحقبة التي توصف غالبًا بالعصر الذهبي للسينما المصرية، حيث كانت الأفلام الغنائية تحتل الصدارة في تفضيلات الجمهور. في تلك الفترة، كانت الشركات الإنتاجية تراهن على المواهب الشابة التي تمتلك قدرات غنائية فذة لتلعب أدوار البطولة، وكان سعد عبد الوهاب واحدًا من أهم تلك المواهب التي جمعت بين الوسامة، والأداء الصوتي القوي، والقدرة على التلوين في المشاعر الغنائية.

إن هذه الفترة كانت تشهد أيضًا تطورًا كبيرًا في إذاعة الأغاني وتطورًا في أساليب التلحين، حيث تأثر سعد عبد الوهاب وأبناء جيله بالتجارب الموسيقية الرائدة التي قادها عمه محمد عبد الوهاب، مما مكنه من صياغة مشروعه الفني الخاص. رحيل سعد عبد الوهاب لاحقًا واتجاهه للعمل الوطني في الإمارات لم يمحُ بصمته عن الأغنية المصرية، بل زاد من ندرة أعماله التي يرى فيها عشاق الطرب الأصيل نموذجًا للالتزام الفني والأخلاقي. تظل مئوية ميلاده فرصة لتجديد العهد مع أعماله التي تحكي قصة فنان قرر أن يغني للحياة بصدق، وأن يضع صوته في خدمة القضايا الوطنية في لحظات مفصلية من تاريخ المنطقة.