سماء رقمية ملغومة.. المسيّرات والذكاء الاصطناعي تعيدان رسم ملامح الإرهاب بعد 25 عامًا

متن نيوز

أحدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر تحولًا جذريًا في العقائد الأمنية الدولية، لكن المشهد التهديدي اليوم، بعد مرور خمسة وعشرين عامًا، تجاوز بصورة مذهلة كلاسيكيات التخطيط التقليدي. لقد انتقلت المنظومة الإرهابية من استخدام أدوات بدائية والتخطيط لعمليات واسعة النطاق تعتمد على التنسيق البشري المعقد، إلى الاستفادة القصوى من الطفرات التكنولوجية المتسارعة، وتحديدًا الطائرات المسيرة، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وشبكات التطرف الرقمي عبر الإنترنت.

 

من التجنيد التقليدي إلى التطرف الخوارزمي

لم تعد المنظومات المتطرفة بحاجة لمعسكرات تدريب تقليدية لاستقطاب العناصر الجديدة؛ إذ تحولت الفضاءات الرقمية ومنصات التشفير والمنتديات المظلمة إلى بيئة حاضنة لتوليد "الذئاب المنفردة". تستغل التنظيمات أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج دعاية بصرية وصوتية فائقة الواقعية بلغات متعددة، مما يتيح لها تجاوز الحواجز الثقافية والجغرافية. تعتمد خوارزميات التوصية الذكية بدورها على اصطياد الأفراد الهشين نفسيًا وعقائديًا عبر الإنترنت، ودفعهم نحو التطرف السريع دون الحاجة لاتصال مباشر بقيادة مركزية.

 

الطائرات المسيرة " أسلحة رخيصة بتهديدات استراتيجية"

مثلت تقنيات الطائرات من دون (المسيّرة) ثورة حقيقية في تكتيكات الجماعات المسلحة وشبكات الإرهاب. فقد تحولت الدرونز التجارية، التي يمكن شراؤها بسهولة وتعديل برمجياتها، إلى أسلحة دقيقة ومنخفضة التكلفة لتنفيذ عمليات اغتيال أو استهداف البنى التحتية الحيوية ومصافي النفط والمطارات. إن لجوء الفروع المحلية والتنظيمات اللامركزية لهذه التكنولوجيا ألغى الفوارق التقليدية بين القدرات العسكرية للدول والوسائل المتاحة للجماعات غير الحكومية.

 

الحرب السيبرانية وتعقيدات المواجهة الأمنية

فرضت هذه التحولات التقنية ضغوطًا غير مسبوقة على أجهزة الاستخبارات والأمن العالمية. لم يعد الهدف مقتصرًا على إحباط مؤامرات تفجير الهياكل التقليدية، بل امتد لملاحقة التهديدات السيبرانية، وتتبع العملات المشفرة المستخدمة في تمويل الأنشطة الرقمية، وتحييد الهجمات البرمجية المحتملة ضد شبكات الطاقة والمواصلات الحيوية.

 

أصبح التهديد الإرهابي المعاصر يعتمد على تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، تتطلب استجابة أمنية عابرة للحدود تدمج بين الذكاء الاصطناعي الدفاعي والتشريعات الرقمية الصارمة لحماية الفضاء الافتراضي والمادي على حد سواء.

 

خوارزميات الإرهاب الرقمي 

 

تمثل الذكرى الخامسة والعشرون لأحداث الحادي عشر من سبتمبر محطة فارقة لقياس التحول الهائل في طبيعة التهديدات الأمنية عالميًا. فبينما كانت المنظومات الإرهابية تعتمد قبل عقدين ونصف على البنى التحتية المعقدة والعمليات العابرة للقارات ذات التنسيق البشري الواسع، بات المشهد اليوم رهنًا لثورة تقنية مزدوجة الاستخدام تتمثل في "الذكاء الاصطناعي التوليدي، الطائرات المسيّرة (الدرونز)، وشبكات التطرف السيبراني".

 

التطرف الخوارزمي وهندسة "الذئاب المنفردة"

تجاوزت التنظيمات المتطرفة عصر معسكرات التدريب التقليدية وأشرطة الفيديو الموزعة سرًا، لتدخل حقبة "التجنيد الخوارزمي". تستغل المنصات المظلمة وتطبيقات التشفير العالي أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج أدبيات ومقاطع مرئية وصوتية (تزييف عميق) فائقة الواقعية بلغات متعددة.

 

خوارزميات التوصية وتعمل كعوامل استقطاب صامتة، تتعقب الأفراد الذين يعانون من هشاشة نفسية أو تقلبات فكريّة عبر الإنترنت، وتدفعهم نحو التطرف السريع دون الحاجة لاتصال مادي مباشر مع قيادات مركزية.

 

ديمقراطية العنف 

أحدثت الطائرات المسيّرة التجارية ثورة تكتيكية جعلت أدوات الدمار في متناول الكيانات غير الحكومية والأفراد بأسعار زهيدة لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات.

 

من الهواية إلى السلاح، أتاحت تعديلات برمجية بسيطة تحويل "الدرونز" الترفيهية إلى طائرات انتحارية (كاميكازي) قادرة على حمل شحنات متفجرة مصغرة واستهداف منشآت حيوية، أو خطوط طاقة، أو تجمعات بشرية بدقة عالية.

 

تجاوز أنظمة الدفاع،  أدى دمج أنظمة التوجيه المستقل والذكاء الاصطناعي في بعض هذه القطع إلى تقليل الاعتماد على الإشارات اللاسلكية التقليدية، مما يقلل من كفاءة أجهزة التشويش الكلاسيكية ويمنح المهاجمين قدرة غير مسبوقة على المناورة وتجنب الرصد الراداري المنخفض.

 

شرايين التمويل الرقمي

تخلصت شبكات الإرهاب المعاصرة من التعقيدات المرتبطة بتحويل الأموال عبر المصارف التقليدية والجمعيات الوهمية. فقد أصبحت تعتمد كليًا على:

 

شبكات العملات المشفرة والمنصات اللامركزية لإخفاء مسارات التمويل العابر للحدود.

استغلال الثغرات في أمن المعلومات وشن هجمات فدية سيبرانية لتمويل العمليات الميدانية وشراء العتاد التكنولوجي المتقدم بخفاء تام.

 

طبيعة المواجهة الأمنية في عصر خوارزميات القتال

فرضت هذه المعطيات تحولًا جذريًا على استراتيجيات مكافحة الإرهاب؛ فلم تعد المعركة مقتصرة على تأمين الحدود المادية والمطارات، بل انتقلت إلى الفضاء السيبراني. وباتت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العالمية مضطرة لتطوير منظومات دفاعية قائمة على الذكاء الاصطناعي العكسي، وأنظمة التشويش الذكية الموجهة، وس سن تشريعات قانونية صارمة تنظم استخدام وتعديل تقنيات الطائرات المسيّرة، في سباق محموم بين التطور التقني السريع وقدرة الدول على احتواء مخاطره.