الإثنين 14 سبتمبر 2026
booked.net

الجنوب العربي أمام استحقاق تاريخي.. القرار الجنوبي وثروات الجنوب في صدارة المشهد

جنوب اليمن
جنوب اليمن

لم تعد القضية الجنوبية ملفًا يمكن تأجيله أو التعامل معه باعتباره نتيجة مؤقتة لتطورات المشهد السياسي والعسكري، فقد تحولت إلى قضية متكاملة تتصل بهوية شعب الجنوب العربي وحقوقه السياسية ومصالحه الاقتصادية وتطلعاته نحو بناء مستقبل يعبّر عن إرادته.

ومع استمرار التحولات المتسارعة في المنطقة، تزداد أهمية أن يكون الجنوب صاحب القرار في شؤونه ومستقبله، وأن يتم التعامل مع قضيته باعتبارها قضية شعب لها أبعاد سياسية وحقوقية وتنموية، وليس مجرد ملف أمني أو ورقة تستخدم عند الحاجة ثم يتم تجاوزها في مراحل التسويات.

القضية الجنوبية.. حضور مستمر لا يمكن تجاوزه

أثبتت التطورات المتعاقبة أن القضية الجنوبية لم تفقد حضورها رغم تغير الظروف وتبدل الأولويات السياسية.

فالقضية أصبحت جزءًا أساسيًا من الواقع السياسي والاجتماعي في الجنوب، وأصبح تجاهلها لا يعني انتهاءها، بل يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار وتأجيل معالجة جذور المشكلة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي رؤية لمستقبل المنطقة لا يمكن أن تنجح إذا حاولت تجاوز الجنوب أو اختزال مطالبه في ترتيبات أمنية مؤقتة، لأن جوهر القضية يرتبط بإرادة أبناء الجنوب وتطلعاتهم السياسية والوطنية.

إرادة أبناء الجنوب هي الأساس

يمثل حق شعب الجنوب في تقرير مستقبله أحد المحاور الرئيسية التي يجب أن تحظى بمكانتها في أي مسار سياسي قادم.

فالقرارات التي تتعلق بمستقبل الجنوب لا يمكن أن تكون منفصلة عن إرادة أبنائه، كما أن أي ترتيبات سياسية لا تراعي تطلعات المجتمع الجنوبي ستظل معرضة لعدم الاستقرار.

والتعامل الجاد مع إرادة أبناء الجنوب لا يتعارض مع تحقيق السلام، بل يمكن أن يكون مدخلًا حقيقيًا إلى سلام أكثر استدامة، لأن الاستقرار لا يبنى بتجاهل أصحاب القضية، وإنما بالاعتراف بحقوقهم والاستماع إلى مطالبهم.

القوات الجنوبية ليست قوة للاستخدام المؤقت

قدمت القوات المسلحة الجنوبية تضحيات كبيرة في الدفاع عن أرض الجنوب ومواجهة التهديدات التي استهدفت أمنه، وأثبتت حضورها في ساحات المواجهة وقدرتها على حماية المناطق الجنوبية.

لكن هذه التضحيات تفرض ضرورة أن يكون القرار العسكري الجنوبي مرتبطًا بالمصلحة الجنوبية، وألا تتحول القوات الجنوبية إلى قوة يتم استدعاؤها لخوض معارك لا ترتبط بشكل مباشر بأهداف شعب الجنوب.

فمن قدم حياته دفاعًا عن أرضه وشعبه يجب ألا تكون تضحياته منفصلة عن المسار السياسي، بل ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع يحفظ حقوق الجنوب ويعزز مستقبله.

التضحيات العسكرية يجب أن تتحول إلى مكاسب سياسية

أحد أهم التحديات التي تواجه القضية الجنوبية هو منع تكرار معادلة تقوم على وجود القوات الجنوبية في مقدمة المواجهات، ثم تراجع القضية الجنوبية عندما تبدأ المسارات السياسية والتفاوضية.

هذه المعادلة لم تعد مقبولة، لأن القوة التي تحمي الجنوب يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية سياسية واضحة، وليس مجرد أداة في صراعات الآخرين.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ربط المشاركة العسكرية بالقرار السياسي الجنوبي، بحيث يتم تحديد أي تحرك وفق حسابات دقيقة تراعي أمن الجنوب ومصالحه وقضيته، وتضمن ألا تذهب التضحيات بعيدًا عن أهدافها الوطنية.

موارد الجنوب جزء من مستقبله

لا يمكن بناء مشروع سياسي جنوبي متكامل من دون وضع الملف الاقتصادي في مقدمة الأولويات، فالجنوب يمتلك موارد وثروات يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لبناء اقتصاد قادر على دعم التنمية وتحسين مستوى حياة المواطنين.

وتحتاج هذه الموارد إلى إدارة رشيدة وشفافة تضمن أن تعود عوائدها بالنفع على المجتمع، وأن يتم توجيهها إلى تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل ودعم القطاعات الإنتاجية.

وبالتالي، فإن قضية الثروات الجنوبية ليست ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن القضية السياسية، بل ترتبط بصورة مباشرة بمفهوم السيادة والقرار المستقل ومستقبل الجنوب.

المواطن الجنوبي هو محور المشروع

مهما كانت أهمية الملفات السياسية، فإن نجاح أي مشروع مستقبلي يقاس في النهاية بقدرته على تحسين حياة المواطن.

فالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق وفرص العمل تمثل احتياجات أساسية لا يمكن تأجيلها، وهي ملفات يجب أن تحظى بمكانة أساسية في أي مشروع لبناء مستقبل الجنوب.

ولهذا، فإن الدفاع عن القضية الجنوبية يجب أن يسير بالتوازي مع العمل على تحسين الواقع المعيشي، لأن المواطن يريد حقوقًا سياسية تحمي مستقبله، وفي الوقت نفسه مؤسسات قادرة على توفير الخدمات الأساسية.

الهوية الجنوبية أساس التماسك

تمثل الهوية الجنوبية عنصرًا مهمًا في بناء التماسك المجتمعي، فهي تعبر عن خصوصية تاريخية وثقافية واجتماعية تجمع أبناء الجنوب.

وتحتاج هذه الهوية إلى أن تتحول من مجرد خطاب إلى إطار عملي يدعم بناء المؤسسات ويعزز الانتماء ويحمي الحقوق ويقوي الشعور بالمسؤولية تجاه مستقبل الجنوب.

فكلما كان الوعي بالهوية أكثر حضورًا، أصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية مصالحه والتعامل مع التحديات التي تواجه قضيته.

توحيد الصف الجنوبي ضرورة

تحتاج المرحلة الحالية إلى قدر أكبر من وحدة الصف الجنوبي، خاصة في ظل تعدد القوى والمكونات والآراء السياسية.

ولا تعني الوحدة إلغاء الاختلاف، وإنما تعني إدارة الخلافات بالحوار وعدم السماح بتحولها إلى صراعات تستنزف المجتمع وتضعف القضية.

وتبقى القواسم المشتركة قادرة على جمع مختلف الأطراف، وفي مقدمتها حماية الجنوب، والحفاظ على هويته، والدفاع عن حقوق أبنائه، وحماية موارده، وتحسين الخدمات، وتعزيز حضوره السياسي.

المجلس الانتقالي للجنوب العربي ودوره السياسي

يظل المجلس الانتقالي للجنوب العربي أحد أبرز القوى السياسية التي تضع القضية الجنوبية في صدارة اهتمامها، وهو ما يجعل تطوير العمل السياسي والمؤسسي وتعزيز الخطاب الجنوبي من الملفات المهمة خلال المرحلة المقبلة.

وتحتاج القضية إلى رؤية سياسية واضحة تستطيع التعبير عن تطلعات أبناء الجنوب وتحويل الحضور الشعبي والتضحيات التي قدمها الجنوبيون إلى مسار سياسي قادر على الدفاع عن حقوقهم.

كما أن تعزيز وحدة الصف وتطوير المؤسسات وتوحيد الأولويات يمكن أن يمنح القضية الجنوبية قوة أكبر في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.

السلام الحقيقي يبدأ من حل القضية الجنوبية

لا يمكن الحديث عن استقرار دائم من دون التعامل الجاد مع القضية الجنوبية، لأن تأجيلها أو وضعها خارج أي تسوية يعني استمرار أحد أهم أسباب التوتر السياسي.

أما فتح مسار سياسي يعترف بإرادة أبناء الجنوب ويبحث عن معالجة عادلة لقضيتهم، فيمكن أن يوفر أساسًا أكثر قوة لأي سلام مستدام.

فالسلام الذي يتجاهل جذور الأزمات قد يؤجل الصراع، لكنه لا ينهي أسبابه، بينما السلام القائم على معالجة القضايا الأساسية وحقوق الشعوب يكون أكثر قدرة على الاستمرار.

الجنوب أمام مسؤولية بناء المستقبل

يقف الجنوب العربي أمام مرحلة تتطلب الجمع بين القرار السياسي المستقل، ووحدة الصف، وحماية الهوية، وصون الموارد، وتطوير المؤسسات، وتحسين الخدمات.

وهذه الأولويات لا يمكن فصل بعضها عن بعض، لأن بناء مستقبل قوي للجنوب يحتاج إلى مشروع متكامل يضع الإنسان الجنوبي في مركز الاهتمام.

لقد قدم أبناء الجنوب تضحيات كبيرة دفاعًا عن أرضهم وأمنهم، ولذلك فإن هذه التضحيات يجب أن تجد طريقها إلى مستقبل سياسي يحفظ الحقوق ولا يسمح بتهميش القضية.

القرار الجنوبي يجب أن يبقى جنوبيًا

في المحصلة، فإن الجنوب العربي لا ينبغي أن يكون طرفًا تابعًا في أي ترتيبات مستقبلية، ولا أن تتحول قوته البشرية والعسكرية والاقتصادية إلى أدوات تخدم حسابات لا تضع مصالحه في مقدمة الأولويات.

المطلوب هو أن يكون الجنوب صاحب قرار في أرضه ومستقبله، وأن تكون أي مشاركة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية مرتبطة بمصالح شعبه وقضيته.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية جنوبية واضحة، تجمع بين قوة الموقف السياسي، ووحدة المجتمع، وحماية الموارد، وتحسين الخدمات، ودعم المؤسسات، والتمسك بحق أبناء الجنوب في رسم مستقبلهم.

إن القضية الجنوبية لم تعد قابلة للتهميش أو التأجيل، لأنها أصبحت تعبيرًا عن إرادة شعب يسعى إلى مستقبل يحفظ هويته وحقوقه، ويمنحه القدرة على إدارة شؤونه وتحديد طريقه بعيدًا عن تحويل الجنوب إلى مجرد ورقة في صراعات الآخرين.