على صفيح ساخن.. كيف تتعثر كواليس صفقة المضيق والحصار بين واشنطن وطهران؟

متن نيوز

في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، وعلى وقع حرب استنزاف كبرى دخلت شهرها السابع وألقت بظلالها الموحشة على أسواق الطاقة العالمية، تدور رحى مفاوضات سرية بالغة التعقيد بين الولايات المتحدة وإيران. تقف الدبلوماسية اليوم أمام مأزق تاريخي يختزله السؤال الجوهري: من يتنازل أولًا؟ فحين تصطدم صلابة الاستراتيجيات العسكرية بجدران الانهيار الاقتصادي، يتحول "مضيق هرمز" الحيوي والحصار الأمريكي الخانق إلى ورقتي ضغط متقابلتين يرفض كل طرف التفريط بهما مجانًا، وسط حسابات سياسية دقيقة ترتبط بمواعيد الانتخابات الأمريكية ومستقبل الاستقرار الإقليمي برمته.

 

خريطة الطريق المرحلية: مقايضة المضيق بالحصار

تستكشف الوفود المفاوضة -عبر وسطاء إقليميين ودوليين- مسارًا عمليًا تدريجيًا لفكفكَة العقد المستحكمة، ويقوم هذا التصور على عدة محاور رئيسية:

 

المقايضة الكبرى:  تسعى طهران إلى كسر الحصار الاقتصادي الساحق الذي أفرغ خزائنها وأصاب قطاعها التجاري والنفطي بالشلل، مقابل التزامها بإعادة فتح الممر المائي الأهم في العالم (مضيق هرمز) أمام إمدادات النفط العالمية.

 

معضلة الثقة والضمانات: تتمثل العقبة الكبرى أمام الوسطاء في غياب الثقة المتبادلة وتخوف الجانبين من أن يؤدي التنازل المبكر إلى فقدان أوراق القوة، سيما بعد تجارب سابقة انهارت فيها التفاهمات المشتركة في لحظاتها الأخيرة.

 

سلة المطالب الإيرانية: تواجه الطاولات الدبلوماسية قائمة طويلة من المطالب الإيرانية المعقدة، والتي تشمل إلى جانب رفع الحصار الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في الخارج.

 

الحسابات الأمريكية وحصار "الضغط الأقصى": تتبنى الإدارة الأمريكية موقفًا متعاليًا يرى أن الوقت يخدم واشنطن، مستندة إلى فعالية العقوبات وانهيار الاقتصاد الإيراني تحت وطأة الحصار، مع وجود نافذة مصلحية للتهدئة تستهدف خفض أسعار البنزين محليًا قبيل استحقاقات التجديد النصفي للكونغرس.

 

صراع التوقيت: أفق التسوية أم حافة الانفجار؟

يتأرجح الموقف الدولي بين تشاؤم الخبراء -إذ يرى دبلوماسيون سابقون أمثال دينيس روس أن فرص الاتفاق العاجل لا تتعدى ثلاثين بالمائة– وبين محاولات جادة لاقتناص تسوية مؤقتة تحيد شبح الحرب الشاملة. فبينما تقف طهران بأصابع على الزناد مترقبة مآلات التصعيد، وتلعب واشنطن ورقة الوقت وترقب السقوط الحتمي للخصم، تبقى نافذة الدبلوماسية ضيقة للغاية، محكومة بتوازنات قاسية قد تفضي إما إلى اتفاق هش يعيد فتح المضيق، أو إلى انفجار عسكري واسع النطاق يصعب احتواء تداعياته.

 

 

وقالت مصادر قريبة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إن مفاوضين من البلدين يستكشفون في نيويورك مسارًا تدريجيًا للخروج من الحرب، يتضمن معاودة طهران فتح مضيق هرمز، ورفع واشنطن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران.

 

وأصبح المضيق ورقة المساومة الرئيسية في جهود إنهاء الحرب المستمرة منذ قرابة 7 أشهر بين واشنطن وطهران، حيث تسعى إيران للتخلص من الحصار الأمريكي الذي يخنق اقتصادها، بينما تريد واشنطن ضمان مرور السفن بحرية في طريق إمدادات النفط العالمية، الذي تغلقه طهران حاليًا.

وقال مصدران إيرانيان ومسؤولان إقليميان ومصدران دبلوماسيان غربيان إن المحادثات تصطدم بعائق صعب، وهي عدم رغبة أي من الطرفين في أن يكون البادئ بالتنازل عن أوراقه، ولكن إيران تدرك، رغم موقفها المتصلب، الكلفة الاقتصادية لمواجهة ممتدة.

 

وذكر مسؤول إيراني كبير أن أكثر السبل واقعية لإنهاء هذا المأزق يتمثل في ترتيب تدريجي، تسمح إيران من خلاله بالملاحة في مضيق هرمز، مقابل أن ترفع الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي، مع احتمال حصول طهران على أصول مجمدة.

 

وأضاف المسؤول، متحدثًا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة،: "أحد السبل الممكنة للمضي قدمًا هو حل الأزمة على مراحل، على أن تكون البداية بإنهاء الحصار، ومعاودة فتح مضيق هرمز".

 

وسيتطلب ذلك موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حل مؤقت آخر، بعد انهيار تفاهم مبدئي في يوليو (تموز).

وتقول المصادر إن التحدي الرئيسي الذي يواجه المفاوضون ليس وضع الخطوط العريضة لاتفاق فحسب، بل يشمل أيضًا ضمان أن تكون أي تنازلات مستدامة بما يكفي لإشعار الطرفين بالثقة.

 

وعبر ترامب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تتوصلا إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني). وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى إن الإيرانيين "لديهم قائمة طويلة جدًا من المطالب".

 

وقال مسؤول في البيت الأبيض إنه في حين أن "إيران تسعى بشدة للتوصل إلى اتفاق، فإن ترامب يمسك بزمام الأمور، وسيتخذ القرار الأنسب للولايات المتحدة".

 

 

وأضاف أن ترامب لا يزال "منفتحًا على الحوار مع إيران في ظل الظروف المناسبة"، لكنه ليس مدفوعًا بحاجة ماسة للتفاوض، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة في "موقف قوي للغاية"، بفضل سيطرتها على مضيق هرمز، وفي ظل اقتصاد إيراني "يتداعى".

 

وأوضح المسؤول أن "العقوبات الساحقة" و"واحدة من أكثر عمليات الحصار نجاحًا في التاريخ" أصابت الاقتصاد الإيراني بالشلل، وأدت إلى إفلاس الجمهورية الإسلامية تمامًا. وأشار إلى أن ترامب يفضل ترك "الانهيار الإيراني الحتمي" يأخذ مجراه، بدلًا من أن يسمح لطهران بالتلاعب والخداع.

 

وقال المفاوض الأمريكي السابق دينيس روس إنه يرى أن فرصة التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات لا تتعدى 30%، لكنه أضاف أن الطرفين قد يكون لديهما أسباب أقوى للتوصل إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي، وليس بعدها. وأضاف روس: "الحصار هو ما يضغط فعليًا على الإيرانيين. إنه يخنقهم".

 

وقد يعود التوصل إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي بالفائدة على ترامب، إذ إن إعادة فتح مضيق هرمز قد تخفف التوتر في الخليج، وتحد من ارتفاع أسعار النفط، وتساعد في خفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة، وهي مسألة حساسة سياسيًا.

 

وربما تكون فرص إيران في الحصول على "إغاثة اقتصادية"، هي في أمسّ الحاجة إليها، أقوى في وقت لا يزال فيه لدى ترامب حافز سياسي أكبر للتوصل إلى اتفاق.

 

ويرى روس أن القيود على ترامب قد تتقلص بعد انتخابات التجديد النصفي، وربما يكون، عندئذ، أكثر استعدادًا لتكثيف الضغوط، أو حتى النظر في الخيارات العسكرية.