من جبال ردفان إلى استعادة الدولة.. لماذا تظل ثورة 14 أكتوبر حاضرة في وجدان الجنوبيين؟
تتداعى المخاطر الأمنية والعسكرية الناتجة عن محاولات إضعاف القوات المسلحة الجنوبية لتشكل تهديدًا مباشرًا ومستمرًا لاستقرار المنطقة برمتها ومواجهة المشروع الإيراني.
تكرار هذه التحركات المشبوهة في الآونة الأخيرة لا يمثل مجرد إرباك تكتيكي عابر، بل يسهم عمليًا في ضرب تماسك الجبهة المناهضة للمشروع الإيراني، وإضعاف خطوط الصد القوية التي شكلت القوات الجنوبية عمودها الفقري، مما يفسح المجال أمام القوى المتطرفة للتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب صفوفها لإرباك المشهد الداخلي.
ويرتبط هذا التشتيت بوضوح بتحركات ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوة والقرار في حضرموت، وما يرافقها من استهداف للشركاء الأساسيين وفي مقدمتهم دولة الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية.
مثل هذه المساعي والتحركات الضاغطة في المحافظات الشرقية تعكس رغبة غير محسوبة لإعادة فرض معادلات جديدة على الأرض، وتهميش القوى الفاعلة التي حققت الأمن وثبتت الاستقرار بدماء أبنائها، مما يفتح ثغرات خطيرة في نسيج المنظومة الأمنية والعسكرية الجنوبية.
الخطورة الكبرى لهذه التجاذبات وإعادة التموضع تكمن في كونها تصب حتمًا وفي نهاية المطاف في مصلحة المليشيات الحوثية؛ إذ إن أي إضعاف للقوات الجنوبية أو المساس بجاهزيتها يمنح الحوثيين فرصًا ذهبية لتوسيع نطاق عملياتهم الميدانية والاستخباراتية.
كما يتيح ذلك للمليشيات مضاعفة الضغط على مختلف جبهات الجنوب وشغل القوات الدفاعية بصراعات ثانوية، مما يهدد بإسقاط مناطق حيوية وإعادة خطوط التماس إلى مربعات الخطر الأولية التي دفعت المنطقة أثمانًا باهظة لتأمينها.
وينبغي الإدراك الحاسم بأن صون قدرات القوات المسلحة الجنوبية وحماية تماسك القوى الوطنية الحليفة هما الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الأمني وتمدد النفوذ الإيراني. إن الاستمرار في سياسات الملاواة ومحاولة سلب الجنوبيين زمام المبادرة في أراضيهم لن ينتج عنه سوى تعزيز موقف الحوثيين وتسهيل اختراقاتهم.
ولذا فإن حماية الجاهزية العسكرية للقوات الجنوبية وتماسك حلفائها يظلان ضرورة استراتيجية قصوى لحماية الجنوب والمنطقة من مخاطر التمدد والعدوان.
من جبال ردفان الشماء، انطلقت الشرارة الأولى لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م، لتعلن انطلاق أنصع صفحات النضال في تاريخ الجنوب العربي. لم تكن تلك الشرارة التي فجرها الشهيد راجح بن غالب لبوزة ورفاقه الأحرار حدثًا عابرًا، بل إعلانًا صارخًا عن إرادة شعبية رفضت الاستعمار وصنعت استقلال 30 نوفمبر 1967م.
واليوم، يستعيد الجنوبيون هذه الذاكرة الخالدة ليستمدوا منها روح الصمود وتوحيد الهوية الوطنية الجامعة. وتتأكد أهمية هذه الذاكرة كونها المرجعية التي تلهم الأجيال لمواجهة التحديات الراهنة، والوقوف خلف المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الرئيس عيدروس الزُبيدي، لمواصلة مسيرة التحرير وصولًا إلى استعادة دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة.
من جبال ردفان الشماء، الشاهقة بشموخها، انطلقت الشرارة الأولى لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة عام 1963م، لتعلن بداية أنصع صفحات النضال الوطني في تاريخ الجنوب العربي.
لم تكن تلك الشرارة التي فجرها الشهيد راجح بن غالب لبوزة ورفاقه الأحرار مجرد حدث عسكري عابر في صخور الجبال، بل كانت إعلانًا صارخًا عن ميلاد إرادة شعبية عارمة رفضت الخضوع للوصاية والاستعمار، واتخذت من الحرية والكرامة خيارًا استراتيجيًا لا رجعة عنه، لتمتد شعلة الثورة وتستعر في كافة المدن والمحافظات الجنوبية حتى إنجاز الاستقلال الناجز في الثلاثين من نوفمبر 1967م.
من هذا التاريخ العظيم، يستعيد الجنوبيون اليوم ذاكرة مرحلة فارقة صنعت تحولًا تاريخيًا وسياسيًا كبيرًا في المنطقة بأسرها.
استحضار تلك اللحظات التاريخية الخالدة ليس مجرد استغراق في ذكريات الماضي، بل هو استدعاء لروح التحدي والصمود، وقراءة واعية لمرحلة انتقل فيها شعب الجنوب من الشتات والفرقة إلى الانصهار في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة، وتأسيس دولة حديثة فرضت حضورها الإقليمي والدولي وصانت كرامة أراضيها وسيادتها الوطنية.
تتجلى أهمية هذه الذاكرة الحية في كونها تجسد الركيزة الأساسية التي يستند إليها الجنوبيون في نضالهم المعاصر؛ إذ تمثل الشرارة التي انطلقت من ردفان المرجعية الأخلاقية والوطنية التي تلهم الأجيال المتعاقبة لمواجهة مختلف التحديات والأزمات الراهنة.
بفضل هذا الارتباط الوثيق بذاكرة التحول التاريخي، يقف شعب الجنوب اليوم خلف قيادته السياسية ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة اللواء عيدروس بن قاسم الزُبيدي، مدركًا أن معركة الحاضر هي الامتداد الطبيعي لمعركة الأمس، وأن صون المكاسب الوطنية يستوجب الحفاظ على ذات الروح الثورية الصلبة.
وتظل ثورة 14 أكتوبر الشاهد الأكبر على أن شعب الجنوب يملك من القوة والإرادة ما يجعله قادرًا على صنع التحولات الكبرى وتغيير مجرى التاريخ.
الذاكرة الأكتوبرية المتجددة تُثبت للعالم أجمع أن الحق الجنوبي عصي على التغييب أو الاندثار، وأن المسيرة التي بدأت برصاصة التحرير من قمم ردفان لن تتوقف إلا بتحقيق الغاية الوطنية الكبرى، المتمثلة في استعادة دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة على حدودها المتعارف عليها دوليًا.
