نهاية "الديمقراطية الثنائية".. زلزال مايو يضع بريطانيا على أعتاب "تعددية حزبية" دائمة

متن نيوز

أجمعت التحليلات السياسية الصادرة صباح اليوم على أن نتائج الانتخابات المحلية والوطنية في اسكتلندا وويلز (التي جرت في 7 مايو 2026) تمثل "الطلقة الأخيرة" في نعش نظام الحزبين الذي هيمن على بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية. فمع تراجع حزبي العمال والمحافظين إلى أدنى مستوياتهم التاريخية، برزت قوى "اليمين الشعبوي" و"اليسار الجديد" كلاعبين أساسيين لا يمكن تجاوزهم.

 

1. ليلة قاسية على "العمال" و"المحافظين"

 

سجلت انتخابات مايو 2026 أرقامًا "صادمة" للقيادات التقليدية في لندن:

 

    حزب العمال: شهد الحزب الحاكم بقيادة كير ستارمر تراجعًا حادًا، حيث فقد السيطرة على عدد كبير من المجالس المحلية في شمال إنجلترا. وتُعد هذه النتائج هي الأسوأ في تاريخ الحزب منذ السبعينيات، وسط استياء شعبي من الأزمات الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة.

 

    حزب المحافظين: واصل الحزب نزيفه الشعبي، حيث فشل في استعادة الناخبين الذين فقد لصالح اليمين المتشدد، مما يضع قيادة الحزب تحت ضغط "تغيير الهوية" أو الاندثار.

 

    الحصيلة: سيطر الحزبان معًا على ما يزيد قليلًا عن 50% فقط من المقاعد، وهي أدنى نسبة لهما منذ أكثر من نصف قرن.

 

2. صعود "القوى المتمردة" (اليمين واليسار)

 

بينما تراجع الكبار، حققت الأحزاب "الصاعدة" اختراقات تاريخية:

 

    حزب الإصلاح البريطاني (Reform UK): بقيادة نايجل فاراج، تحول الحزب من "حركة احتجاجية" إلى "قوة وطنية"، محققًا مكاسب كبرى في الدوائر التي كانت تُعتبر معاقل للمحافظين والعمال على حد سواء، خاصة في ويلز وإنجلترا.

 

    حزب الخضر (Green Party): ببرنامجه اليساري الجديد، نجح الحزب في تجاوز عتبة الـ 180 ألف عضو، متفوقًا عدديًا على الليبراليين الديمقراطيين، وأصبح يحصد بانتظام حوالي 15% من أصوات الشباب والمصوتين المحبطين من ستارمر.

 

3. الانفصال الوطني: ويلز واسكتلندا

 

    ويلز: شهدت "صدمة سياسية" كبرى بخسارة حزب العمال لهيمنته التاريخية التي استمرت قرنًا من الزمان، لصالح حزب "بلايد كمري" (Plaid Cymru) القومي، الذي قد يقود الحكومة المحلية لأول مرة.

 

    اسكتلندا: حافظ الحزب الوطني الاسكتلندي (SNP) على صدارته رغم التحديات، مما يعزز فكرة "التشرذم الوطني" واستحالة حكم بريطانيا من مركز واحد في لندن.

 

4. أزمة نظام التصويت (التمثيل النسبي)

 

يرى خبراء دستوريون أن نظام "الفوز للأكثر أصواتًا" (First-Past-The-Post) أصبح "مشلولًا":

 

    الواقع الجديد يشير إلى وجود 5 أحزاب تتنافس في نطاق ضيق بين 15% إلى 25% من الأصوات.

 

    هذا التشرذم أدى إلى زيادة عدد المجالس المحلية التي تقع تحت حالة "لا سيطرة لأحد" (No Overall Control)، حيث وصل عددها إلى 61 مجلسًا، مما يفرض ثقافة "الائتلافات" التي لم تكن مألوفة في بريطانيا.

 

صعود فاراج وحزب الإصلاح

 

اللافت في هذه الانتخابات كان استمرار صعود نايجل فاراج وحزب الإصلاح البريطاني، الذي تمكن من التقدم في معاقل تاريخية لحزب العمال في شمال إنجلترا، وحقق اختراقًا رمزيًا عبر الفوز بأول دائرة له في لندن على حساب المحافظين، إضافة إلى حلوله في المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية الويلزية.

 

ورغم حصول الحزب على نسبة تصويت وطنية بلغت 27%، متقدمًا على منافسيه التقليديين، فإن هذه النسبة تظل أقل من 32% التي سجلها في الانتخابات المحلية لعام 2025، ما يفتح باب التساؤلات حول ما إذا كان هذا المد الشعبوي في تصاعد مستمر أم أنه يقترب من ذروته.

 

ومع ذلك، لم يعد حزب الإصلاح مجرد ظاهرة احتجاجية عابرة، بل أصبح لاعبًا رئيسيًا يعيد تشكيل التوازنات الانتخابية، مستفيدًا من تصاعد الخطاب الشعبوي وتنامي حالة الغضب الشعبي تجاه النخب السياسية التقليدية.

 

تفكك الثنائية الحزبية وصعود التعددية السياسية

 

تشير النتائج إلى دخول بريطانيا مرحلة سياسية جديدة تتراجع فيها الهيمنة التاريخية للعمال والمحافظين لصالح مشهد أكثر تشظيًا وتعددًا.

 

فإلى جانب صعود حزب الإصلاح، حقق حزب الخضر والحزب الديمقراطي الليبرالي مكاسب ملحوظة، بينما حافظ الحزب الوطني الاسكتلندي على حضوره في اسكتلندا، وواصل حزب بلايد سيمرو تعزيز موقعه في ويلز.

 

هذا التعدد الحزبي المتزايد يصطدم مباشرة بالنظام الانتخابي البريطاني القائم على قاعدة "الفائز الأول"، الذي يمنح الفوز لمن يحصل على أعلى الأصوات دون تمثيل نسبي، ما يثير مجددًا الجدل حول الحاجة إلى إصلاح انتخابي شامل يعكس التعدد الحقيقي في أصوات الناخبين.

 

 

 

كير ستارمر تحت الضغط

 

وجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه في قلب العاصفة السياسية، إذ كشفت النتائج عن تراجع واضح في شعبيته، وأثارت تساؤلات داخل حزب العمال حول قدرته على قيادة الحزب نحو انتخابات 2029.

 

ورغم تأكيده عدم نية الاستقالة، فإن الأزمة الحالية لا تتمثل في انقلاب داخلي مباشر، بقدر ما تعكس تآكلًا تدريجيًا في الثقة داخل القاعدة البرلمانية للحزب.

 

ورغم تداول أسماء مثل آندي بورنهام، أنجيلا راينر، وويس ستريتينغ كبدائل محتملة، فإن أي تحرك فعلي لتغيير القيادة لا يزال محدودًا، ما يعكس تعقيد المشهد الداخلي أكثر من كونه مؤشرًا على الاستقرار.

 

 

 

الخضر يغيرون قواعد اللعبة من اليسار

 

في المقابل، برز حزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي كقوة سياسية صاعدة، أعادت تعريف الخطاب اليساري من خلال طرح سياسات اقتصادية جذرية، تشمل فرض ضرائب على الثروات الكبرى، وتحديد سقوف للإيجارات، وتأميم قطاعات المياه والخدمات الأساسية.

 

وقد لاقت هذه الطروحات صدى واسعًا لدى الناخبين الشباب وسكان المدن الكبرى، الباحثين عن بديل أكثر راديكالية من خطاب حزب العمال التقليدي.

 

وترجم هذا الزخم إلى نتائج ملموسة، أبرزها الفوز ببلدية هاكني في شمال لندن، وإنهاء هيمنة العمال المستمرة منذ 24 عامًا، إضافة إلى تحقيق مكاسب في لويشام جنوب العاصمة، والحصول على أكثر من 250 مقعدًا في المجالس المحلية، ومقعدين في البرلمان الويلزي.

 

 

 

بريطانيا أمام لحظة سياسية مفصلية

 

في المحصلة، لا تبدو نتائج هذه الانتخابات مجرد تغيرات محلية أو خسائر ظرفية، بل تعكس بداية مرحلة سياسية جديدة في بريطانيا تتسم بسيولة حزبية غير مسبوقة، وتراجع نموذج الثنائية التقليدية.

 

ومع تصاعد اليمين الشعبوي من جهة، وعودة اليسار الراديكالي من جهة أخرى، يبدو أن الخريطة السياسية البريطانية تتجه نحو إعادة تشكل شاملة، قد تعيد تعريف موازين القوة لعقود مقبلة.